وثانيها النبات ، ومنه الثمرات ، وخصّت بالذكر لكونها غاية النبات وثالثها الحيوان ، وأفضله الإنسان المشار إليه بقوله « رزقا لكم » وإنّما خصّ هو بنسبة المرزوقيّة - وإن كان غيره من الحيوان مرزوقا من الثمرات - لكونه علّة غائيّة لوجود الثمرات ونحوها دون سائر الحيوان ، بل هي أيضا كالأثمار مخلوقة لانتفاع الإنسان .
ثمّ السبب في ترتيب هذه الثلاثة ظاهر ، لأنه بحسب ترتيبها في الحدوث ؛ وكذا في تقديم الأولين عليها ، وأمّا تقديم ذكر الأرض على ذكر السماء فلأن الأرض أقرب إلينا من السماء ، ونحن أعرف بحال الأرض - لكونها محسوسة بأكثر الحواسّ بل بكلّها على وجه - منّا بحال السماء ، لكونها غير محسوسة ، والمحسوس بحسّ البصر منها ليس إلّا الكواكب ، وإنما تحصل المعرفة بوجودها من جهة الحركات المستديرة المتّفقة والمختلفة ، الدالّة على وجود جرم عظيم مستدير شامل لها ، ومن جهة الحركات المستقيمة الدالّة على وجود محدّد للجهات بالصفة المذكورة .
فلننظر في الحكم والمنافع المنبعثة في خلق هذه الأشياء الخمسة ولنذكر لبيانها خمسة إشراقات :
الإشراق الأول :
اعلم إنّ الرحمة الإلهيّة لمّا لم يجز وقوفها عند حدّ يبقى ورائها الإمكان الغير المتناهي لأشياء ممكنة الوجود من غير أن يخرج وجودها من القوّة إلى الفعل أبدا ، فيلزم التعطيل في جوده والإمساك عن الإعطاء والكرم من فضل وجوده - كما زعمه اليهود كما حكى اللّه عنهم بقوله حيث قالوا : يد اللّه مغلولة
وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ
[ 5 / 64 ] وليس ذاته أيضا محلّا لإرادات متجددة وحوادث متعاقبة - سواء كانت متناهية كما ذهب إليه المعتزلة ، أو غير متناهية كما ذهب إليه بعض المتفلسفة كأبي البركات البغدادي وغيره ، أثبتوا على واجب الوجود