وحاصلها يرجع إلى أن حدوث هذه الحركات والصفات يفتقر إلى سبب محدث ، وذلك السبب إن كان جسما فلكيّا أو عنصريّا فلا يجوز كونها ولا شيئا منها مبدأ أولا لغيرها ، وذلك لأنّها مشتركة في أصل الجسميّه ، والمشترك فيها إمّا ماهيّة جنسيّة تفتقر في وجودها وقوامها إلى الفصول المنوّعة ، أو ماهيّة نوعيّة تفتقر في وجودها ودوامها إلى العوارض المشخّصة وما يفتقر في وجوده ودوامه إلى مقارنات كيف يكون سببا لغيرها ، ثمّ لا يجوز أن يكون تلك المقارنات كالفصول والمشخّصات علّة لوجود تلك الماهيّة الجنسيّة أو النوعيّة ، وبتوسّطها لوجود غيرها من اللواحق والحوادث ، وذلك لافتقارها أيضا في لوازمها وتشخّصاتها إلى ما هي مقوّمة لها .
فثبت أنّ الكلّ مفتقر إلى سبب منفصل الذات عنها ، وذلك السبب إن كان جسما أو جسمانيّا عاد الكلام إليه ، فهو مجرد عن الجسميّة وعوارضها ، ففاعليّته إن كان بالإيجاب بلا علم وإرادة لم يكن اختصاص بعض الأجسام ببعض الصّفات دون بعض أولى في الحكمة من العكس ، إذ لا علم ولا حكمة في الفاعل الموجب ، فلا بدّ أن يكون عالما فيكون قادرا مختارا فثبت بهذه الدلالة افتقار الأجسام كلّها إلى مؤثّر قادر ليس بجسم ولا جسماني ، وعند هذا ظهر أن الاستدلال بحدوث الاعراض لا يكفي الا بعد الاستعانة بإمكان الاعراض والصفات .
وأنما أكثر اللّه تعالى في كتابه الكريم هذا النمط من الاستدلال لكونه أقرب إلى الافهام ، وأسهل مأخذا وأقوى في إفحام الجاحدين ؛ وإلّا فمسلك الصدّيقين - الذين يستشهدون بوجود الحقّ على وجود الخلق - أسدّ وأوثق وأشرف وأحكم كما أشار إليه بقوله :
أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
[ 41 / 53 ] وقد مرّت الإشارة إليه سابقا ، ونحن قد قررنا طريقهم بوجه سديد لا مرية فيه ولا مزيد عليه في كتبنا العقلية .