فصل
وأما العلوم الشريفة فبيان استدعاء الآية لها واشتمالها عليها إن اللّه لمّا أمرنا بعبادة الربّ أردفه بما يدلّ على وجود الصانع ، وهو خلق نفوسنا وخلق من سبق وجوده على وجودنا ، وهذا مما يدل على أنه لا طريق إلى معرفة اللّه إلّا بالنظر والاستدلال والتدبّر في مبادئ المطالب وأوائل البراهين والعلم بكيفيّة وجود الخلائق والاطلاع على حقائق الآفاق والأنفس .
وطعن قوم من المعطّلة والحشويّة في هذه الطريقة وقالوا : « الاشتغال بنمط البراهين لتحقيق اليقين بدعة » وقوم منهم أنكروا هذا العلم وزعموا أن الإنسان مكلّف بالعمل لا بالمعرفة ، ولا ينكرون سائر العلوم بل جعلوا بعضها واجبة وبعضها مستحسنة .
ونحن بحمد اللّه تعالى خالفنا سيرتهم وهدمنا بنيانهم وكسرنا أصنامهم الجاهليّة في رسالة سمّيناها كسر أصنام الجاهليّة ، فلنذكر في بيان صحّة طريقنا وجوها نقليّة وعقليّة في عدّة إشراقات .
الاشراق الأول : في بيان فضل هذا العلم على سائر العلوم وهو من وجوه :
الأول : إن أجلّ العلوم رتبة وأعلاها منزلة وأرفعها درجة وأعظمها ثمرة العلم بذات اللّه الجليلة وصفاته العالية وأسمائه الحسنى لان العلم تابع للمعلوم ، والمعلوم إذا كان أشرف الموجودات فالعلم بذلك أشرف العلوم ، وليس في المعلومات - موجودا كان أو معدوما - أشرف وأعلى من ذات اللّه القديمة وصفاته وأسمائه فيجب أن يكون العلم بها أشرف العلوم - وهذا مما لا شبهة فيه .
الثاني : إن العلم إمّا دينيّ أو غير دينيّ ولا شكّ إن الدينيّ أشرف ؛ والعلم الدينيّ إما علم بالأصول أو بالفروع ؛ والأول أشرف إذ ما عداه يخدمه ويتوقّف صحّته على علم الأصول ؛ لأن المفسّر يبحث عن معاني كلام اللّه المجيد ، وذلك فرع على وجود الصانع واختياره وعلمه وقدرته وكلامه ، وأما المحدّث فإنّه إنّما يبحث عن كلام