تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
انكشاف جميع الأشياء على ذاته في الأزل على وصف الوجوب الذاتي مقدسا عن التغيّر - وأدناها ما هو عين الممكنات ويجري فيه التغيّر والإمكان والاختبار والابتلاء وغيرها من سمات الحدثان ، ولكن بالقياس إلى ما في هذه الدرجة من الموجودات - لا بالقياس إلى ذاته الأحديّة . وهذا مما يحتاج دركه على التحقيق إلى علوم كثيرة مع نور بصيرة ، ويمكن إدراكه على سبيل التقريب بأن اللّه عز وجل خلق عباده ليستعبدهم بالتكليف ، وركّب فيهم العقول والشهوات ، وأزاح العلّة في أقدارهم وتمكينهم ، وهداهم النجدين ، ووضع في أيديهم زمام الاختيار وأراد منهم الخير والتقوى ، فهم في صورة المرجّو منهم أن يتّقوا لترجيح ( لترجّح - ن ) خيرهم على شرّهم ، وهم مختارون بين الطاعة والعصيان كما ترجّحت حال المرتجي بين أن يفعل وأن لا يفعل ، ومصداقه قوله تعالى :
لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
[ 11 / 7 ] وإنما يبلو ويختبر من يخفي عليه العواقب ولكن لمّا كان بناء الأمر على الإمكان والاختيار والقوّة والصحّة - دون الإلجاء والاضطرار - أطلق لفظ « الترجّي » من هذا الوجه ، وإن كان بناء أمرهم بحسب الأسباب القصوى وصورة ما في الكتاب والقضاء هو التحقيق . وهذا مستقيم سواء تعلق قوله : « لعلّكم » ب « خلقكم » أو ب « اعبدوا » وحمله على « أن يخلقكم راجين للتقوى » ليس بسديد أصلا . وقيل : « لعلّ » قد يجيء بمعنى « كي » ووجّه بأنها للإطماع ، وقد جاءت على سبيل الإطماع في مواضع من القرآن ، ولكن لأنّه إطماع من كريم رحيم إذا أطمع في فعل يجري إطماعه مجرى وعده المحتوم وفاؤه به ، وأيضا فمن ديدن الملوك أن يقتصروا في مواعيدهم التي يوطّنون أنفسهم لانجازها على أن يقولوا عسى ولعلّ ، مثل قوله تعالى :
عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً
[ 79 / 17 ] وحينئذ لا يبقى لطالب ما عندهم شك في الفوز والنجاح بالمطلوب . أو جاء على طريق الإطماع دون التحقيق لئلا يتّكل العباد مثل
تُوبُوا إِلَى