تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ
[ 24 / 52 ] ذكر الطاعة والخشية ثمّ التقوى ، فعلمنا إنّ حقيقة التقوى سوى الطاعة والخشية ، وهو تنزيه القلب عما ذكر . وعند أهل اللّه : تنزيه القلب عن الالتفات بغير اللّه . وقال بعض الشيوخ : منازل التقوى ثلاثة ، تقوى عن الشرك ، وتقوى عن البدعة ، وتقوى عن المعاصي الفرعية ؛ ولقد ذكرها اللّه تعالى في آية واحدة وهو قوله
لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا
[ 5 / 93 ] فالتقوى الأولى تقي القلب عن الشرك ، والايمان الذي ذكر في مقابله التوحيد ؛ والتقوى الثانية عن البدعة ، والايمان الذي ذكر معها اقتداء الشريعة واجتماع الأمّة ؛ والتقوى الثالثة عن المعاصي الفرعية والإقرار في هذه المنزلة ، فيقابلها الإحسان - وهي الطاعات والإقامة عليها . وقد جاءت التقوى بمعنى اجتناب فضول الحلال ، وهو ما روي في المشهور عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله « 1 » إنّه قال : « إنّما سمّي المتّقون متّقين لتركهم ما لا بأس به حذرا عما به بأس » . فان أردت أن تجمع بين تلك المعاني وبين ما جاء في الخبر في حدّ جامع ومعنى بالغ ، فلك أن تقول : التقوى هو الاجتناب عما يخاف منه ضرر في الدين ؛ ثمّ الذي يخاف الضرر منه في أمر الدين قسمان محض الحرام والمعصية ، وفضول الحلال - لأنّ الانهماك فيه أيضا يجرّ إلى الحرام المحض ، لأنّه يوجب شره النفس وطغيانها وتمرّدها وعصيانها - فمن أراد أن يأمن الضرر في أمر دينه فليجتنب عن فضول الحلال لئلّا يقع في الحرام حتى يصير ذلك وقاية له عن كل شرّ . والشرّ ضربان : شرّ بالأصالة كالمحرّمات ، وشرّ لا بالأصالة كالشهوات المباحة ، فالتقوى عن الأولى تقوى فرض يجب بتركها عذاب النار ، والثانية تقوى زجر وأدب يلزم بتركها الحبس والحساب الطويل واللوم والتعيير .
هامش
( 1 ) في الجامع الصغير ( 2 / 204 ) : لا يبلغ العبد أن يكون من المتّقين .