وورود التكليف وقيام الحجّة ، فالأمر التكليفي بالعبادة متوجّه إلى الكفار مشروطا بتقديم المعرفة المستأنفة ، كاشتراط الصلاة للمحدث بتقديم الطهارة ، واشتراط أداء الدين للمديون بالسعي إليه ، فكما إن الطهارة والسعي واجبان على من وجب عليه الصلاة محدثا وأداء الدين ساكنا ، فكذا الكافر يصح أن يجب عليه العبادة بهذا التكليف وشرط الإتيان بها الايمان أولا ثمّ الإتيان بها .
وكذا هذا الأمر متوجّه إلى المؤمنين بفعل الزيادة لها والاستمرار فيها والمواظبة عليها والاجتهاد في استخراج أدلتها والتوسّل بها إلى زيادة المعرفة والقرب ، ومعلوم إن كل ذلك عبادة .
المسألة الثالثة
إن لمنكر التكاليف وجوها من الشبه ، ها نذكرها مع الإشارة إلى الجواب عنها :
الأولى : إنّ التكليف حال استواء دواعي العبد إلى الفعل والترك ، أو حال رجحان دواعي أحدهما ؟ فعلى الأول يستحيل وقوع المأمور به والتكليف غير واقع ولا جائز عند الأكثر ، لان الممكن ما لم يترجّح وجوده لم يقع ، إذ من تجويز الترجيح من غير مرجّح ينسدّ اثبات الصانع ، وعلى الثاني فالمرجوح ممتنع الوقوع ، وإلّا لزم ترجيح المرجوح ، فالراجح واجب الوقوع ، فالتكليف بالراجح تكليف بإيجاد ما يجب وقوعه ، وبالمرجوح بما يمتنع وقوعه وكلاهما مستحيلان .
والثانية : إن المكلّف به إن علم اللّه في الأزل وقوعه فخلاف معلومه محال فلا فائدة في ورود الأمر ، وإن علم لا وقوعه فالتكليف به تكليف بالمحال وكلاهما عبث وسفه واللّه منزّه عنهما ، وإن لم يعلم - لا هذا ولا ذاك - فهو قول بالجهل في حقّه فهو باطل .