قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها
[ 91 / 10 ] .
ثمّ نقول : إن المريض إذا خالف أمر الطبيب وتمادى به المرض فبالحقيقة لم يتماد مرض الممراض بمخالفة الطبيب لأجل عين المخالفة ، بل لأنّه سلك غير طريق الصحّة التي أمره الطبيب به ، فكذلك التقوى الذي أشار إليه قوله تعالى
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
هو الاحتماء الذي ينفي عن القلوب أمراضها ، وأمراض القلوب تفوّت حيوة الآخرة كما تفوّت أمراض الأجساد حيوة الدنيا .
فهكذا ينبغي أن يفهم أمر التكاليف فإن الطاعات أدوية نافعة ، والمعاصي سموم ناقعة ، وتأثيرها في القلوب كتأثير هاتين في الأبدان ، لا ينجو إلا من أتى اللّه بقلب سليم ، كما لا يسعد هاهنا إلا من أتى بمزاج معتدل ، وكما يصح قول الطبيب للمريض :
« قد عرّفتك ما يضرّك وما ينفعك ، فإن وافقتني فلنفسك ، وإن خالفتني فعليها » كذلك قال :
مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها
[ 17 / 15 ] .
وأما العقاب على ترك الأوامر وارتكاب الخطيئات فليس ذلك من اللّه غضبا وانتقاما على نحو غضبنا وانتقامنا ، بل لأنه رتّب الأسباب على المسبّبات ، فخلق نفس الإنسان على وجه يكمّلها وينجيها الفضائل ، ويهلكها ويشقيها الرذائل ، واللّه تعالى غير عاجز عن الإشباع من غير أكل ، والإرواء من غير شرب ، والإنشاء للولد من غير مضاجعة ووقاع ، ولكن قد رتّب الأسباب والمسبّبات لحكمة خفيّة لا يعلمها إلّا اللّه والراسخون في العلم .
هذا ما ذكره بعض العلماء وبه يخرج الجواب أيضا عن الشبهة الثالثة لمنكري التكاليف .