العمدة - وقد مرّ من الكلام ما فيه كفاية في هذا الباب .
والثالث إنّ علوم الملائكة وكمالاتهم يقبل الزيادة . والحكماء منعوا ذلك في الطبعة العليا منهم - الذين لا تعلّق لهم بالأجرام - وعليه حملوا قوله تعالى
وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ
[ 37 / 164 ] .
والتحقيق إنّ هؤلاء الملائكة المدبّرين وإن جاز لهم قبول الازدياد في العلوم والأشراف ، لكن لا يستفيدون علما إلّا من الأمر الأعلى ، دون الأسباب الاتّفاقيّة كالمعلّم الخارجي والقوى والآلات الفكريّة والخياليّة .
واعلم إنّ القسمة اقتضت أمورا أربعة ، لأنّ الشيء إما أن يكون كاملا بحسب الفطرة الأولى ، أو ناقصا . والكامل إمّا تامّ أو فوق التمام . والناقص إمّا مستكف أو غيره .
فالتامّ الذي هو فوق التمام هو الباري جلّ اسمه ، لأنّه كامل الذات ، ويفضل من كماله كمالات سائر الأشياء . والتامّ هو الضرب الأعلى من ملائكته المقرّبين .
وأمّا المستكفي : فهم الملائكة المدبّرون ، الساكنون في طبقات السماوات . وأمّا الناقص الغير المستكفي فما سوى هذه الأقسام الثلاثة ، سواء جاز كماله بعد النقصان ، أم لا .
وأمّا حقيقة الإنسان فقد وجد فيه بحسب أشخاصها جميع هذه الأقسام ما سوي فوق التمام . فالكامل منهم هو الذي كمل في العلم إلى حدّ صار عقلا مستفادا ، وفي العمل إلى أن تجرّد عن علائق البدن وعوائق النفس ، ثمّ مات وحشر إلى اللّه .
وأمّا المستكفي منهم فهم الكاملون الذين هم بعد في هذا العالم ولم يرتحلوا إلى الدار الآخرة .
وأمّا الناقصون فما سواهما وهم أكثر الناس .
الرابع : إنّ في الآية تخويفا عظيما ، فإنّه تعالى لا يخفى عليه شيء من أحوال