خائفا وجلا .
فقوله : اني
أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ
معناه : إنّي أنا الذي أعرف الظاهر والباطن ، والعلن والسرّ ، والبداية والنهاية ، ومن يرونه عابدا مطيعا سيكفر ويبعد عن حضرتي ودار كرامتي ، ومن يرونه فاسقا بعيدا سيقرب من خدمتي وينيب إلىّ ويفوز بثوابي ويتبوّء دار كرامتي حيث يشاء .
فالخلق لا يمكنهم أن يخرجوا عن حجاب الغفلة والجهل ، ولا يتيسّر لهم أن يخرقوا أستار العزّ ، فإنّهم لا يحيطون بشيء من علمه إلّا بما شاء .
ثمّ إنّه تعالى حقّق من مكامن الغيب عجز الملائكة عن تحقيق الأمور بأن أظهر من البشر كمال العبوديّة ، ومن أسدّ ساكني السماوات عبادة كمال الكفر والجحود لئلا يغترّ أحد بعلمه وعبادته ، ويفوّضوا معرفة الأشياء إلى حكمة الخالق ، ويزيلوا الاعتراض بالقلب واللسان عن مصنوعاته ومبدعاته .
السابع : التنبيه على إخلاص العمل عن شوب الرياء والسمعة ، لكونه تعالى علّام الغيوب وكشّاف أسرار القلوب .
روى عدي بن حاتم ، إنّه قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله « 1 » : « يؤتى بناس يوم القيامة فيؤمر بهم إلى الجنّة ، حتّى إذا دنوا منها ووجدوا رائحتها ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعدّ اللّه لأهلها نودوا أن انصرفوا عنها لا نصيب لهم فيها ، فيرجعون بها حسرة ما رجع أحد بمثلها ، ويقولون : يا ربّنا - لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا من ثوابك وما أعددت فيها لأوليائك كان أهون علينا » .
« فنودوا : ذلك أردت بكم ، كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم ، وإذا لقيتم الناس لقيتم مخبتين تراؤن الناس بخلاف ما تضمرون عليه في قلوبكم . هبتم الناس ولا تهابوني ، أجللتم الناس ولم تجلوني ، وتركتم المعاصي للناس ولم تتركوها لي ، كنت أهون الناظرين عليكم ، فاليوم أذيقكم عذابي مع ما حرّمتم من النعيم » .
هامش
( 1 ) الترغيب والترهيب للمنذري باختلافات يسيرة : 1 / 52 .