السرائر ومكنونات الضمائر ، فيجب أن يجتهد المرء في عمارة باطنه وتصفية سرّه عن الخبائث والرذائل ، وتنوير قلبه بأنوار العلوم والطاعات ، ثمّ تخلية البيت عن دخول ما سوى صاحبه .
قال سليمان بن علي لحميد الطويل « 1 » : « عظني » . فقال : « إن كنت إذا عصيت اللّه خاليا ظننت إنّه يراك فقد اجترأت على أمر عظيم . وإن كنت ظننت إنّه لا يراك فقد كفرت » .
وقال حاتم الأصمّ « 2 » : « طهّر نفسك في ثلاثة أحوال : إذا كنت عاملا بالجوارح فاذكر نظر اللّه إليك ، وإذا كنت قائلا فاذكر سمع اللّه إليك ، وإذا كنت ساكنا عاملا بالضمير فاذكر علم اللّه بك ، إذ هو يقول
إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى
[ 46 / 30 ] .
الخامس : إنّ في الآية رجاء عظيما ، فإنّ اللّه قد علم من عنايته من أول الأمر في حقّ الإنسان مع كونه أنزل خلق اللّه - حيث خلق من طين لازب ومن ماء مهين وهما أدون الأجسام وأسفلها وأكدرها - لأنّه فضّله على الملائكة الذين هم من سكّان السماوات وأعلى المكانات تفضّلا ، وجعله مسجودا لهم تعظيما وتكريما ، ويبعد من كرمه [ و ] جوده أن يكرم ويشرّف أبينا آدم عليه السّلام في أول الأمر ، ثمّ يعذّب أولاده ويخزيهم في آخر الأمر .
السادس : إنّ في الآية دلالة على أن العبد يجب عليه أن لا يؤمن مكر اللّه ، كما يجب عليه أن لا ييأس من روح اللّه ، لأنّه لا اطّلاع لأحد على عواقب الأمور وأسرار حكمة اللّه في خلقه ، فالملائكة وقع نظرهم على الفساد والقتل ، ولكنّهم سيأتون بعدها بالإنابة والرجوع بقولهم :
رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا
[ 7 / 23 ] وإنّ إبليس وإن أتى بالطاعات ، لكنّه سيأتي بعدها بالإباء والاستكبار وبقوله :
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ
[ 7 / 12 ] فمن شأن العاقل أن لا يعتمد على عمله ، وأن يكون أبدا متوكلا على اللّه
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي : 1 / 425 .
( 2 ) طبقات الصوفية للسلمي : 97 .