ما لا تَعْلَمُونَ
فأجابهم بكونه عالما ؛ فلم يجعل سائر الصفات جوابا لهم وموجبا لسكوتهم ؛ وذلك يدلّ على أن سائر الصفات - كالقدرة وأمثالها - وإن كانت بأسرها في نهاية الشرف إلّا أن صفة العلم أشرف من غيره .
ثمّ إنّه تعالى لما أظهر علمه جعله مسجودا للملائكة ، وخليفة للعالم السفلى ، وذلك يدلّ على أن تلك المنقبة إنّما استحقّها آدم عليه السّلام بالعلم .
ثمّ إنّ الملائكة افتخرت بالتسبيح والتقديس ، فأظهر اللّه تعالى علم الآدم بالأسماء في مقابلة تسبيحهم وتقديسهم ، مع إن التسبيح والتقديس أيضا من بركات العلم ، وإلّا لكان إمّا نفاقا - والنفاق من أخسّ المراتب لقوله تعالى :
إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ
[ 4 / 145 ] - أو تقليدا - وهو مذموم لا يوجب الافتخار .
فثبت إنّ فضيلة آدم عليهم إنّما كان بعلمه بسائر الأشياء الكليّة والجزئيّة التي لم يكن من شأنهم الإحاطة بها جميعا ، لانحصارهم في مقام واحد معلوم .
ثمّ انظر إلى إبراهيم - على نبيّنا وآله وعليه السّلام - كيف اشتغل في أول أمره بطلب العلم ، منتقلا بفكره من ملاحظة أحوال السماويّات والانتقال من بعضها إلى بعض ، حتى انتقل من الأنوار الكوكبيّة الحسيّة إلى النفسيّة القمريّة ، ومنها إلى الأضواء العقليّة الشمسيّة - إلى أن وصل بالدليل الباهر والبرهان النيّر الزاهر إلى المقصود الأصلي ، والدين الحنيفي ، وأعرض عن الشرك لقوله :
وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
[ 6 / 79 ] .
ثمّ إنّه بعد الفراغ من معرفة المبدإ اشتغل بمعرفة المعاد ، كما قال تعالى :
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى
[ 2 / 260 ] .
ثمّ لمّا فرغ من العلم اشتغل بالمحاجّة والتعليم : تارة مع أبيه
لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ
[ 19 / 42 ] وتارة مع قومه
ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ
[ 21 / 52 ] وأخرى مع ملك زمانه
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ
الآية [ 2 / 258 ] وقوله
أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ
وتارة كان مع اللّه فانيا