تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
ثمّ ينتبه بواسطة قوّة النفس الناطقة للعقليّات والكليّات فيرتسم في هذه القوة صور المعقولات التي هي في جواهرها عقول بالفعل ، ومعقولات بالفعل ، وهي الأشياء البريئة من المادّة ، ومنها صور المعقولات التي هي ليست بجواهرها معقولة بالفعل - مثل الحجارة والشجر والفرس - وبالجملة ما هو جسم ، أو صورة في جسم ذي مادّة ، والمادّة نفسها ، وكلّ شيء قوامه بها ؛ فإنّ هذه ليست عقولا بالفعل ولا معقولات بالفعل ، ولا القوّة النفسانية التي في الإنسان في أول حاله عقل ولا معقول ولا عاقل بالفعل ؛ وإنّما تصير عقلا بالفعل إذا حصلت فيها المعقولات . فهي محتاجة كالمعقولات بالقوّة إلى شيء آخر ينقلها من حدّ القوّة إلى أن يصيّرها إلى الفعل ، والفاعل [ الذي ] يجعلها بالفعل هو جوهر عقليّ بالفعل دائما غير محتاج إلى شيء آخر يصيّرها بالفعل ، وإلّا لعاد الكلام ويتسلسل . وذلك العقل يعطي العقل 133 الهيولاني - الذي هو بالقوّة عقل - شيئا ما بمنزلة الضوء الذي يعطيه الشمس البصر ، لأنّ منزلته من العقل الهيولاني منزلة الشمس من البصر ، وإنّ البصر هو قوّة وهيئة مّا في مادّة ، وهو من قبل أن يبصر مبصرة ومرئية بالقوّة ، وليس في جوهرها كفاية في أن يصير مبصرة بالفعل ، وإذا أعطت الشمس ايّاها ضوءا تقبله ، وأعطت الألوان ضوء تقبله بها ، فيصير البصر بالضوء الذي استفاده من الشمس مبصرا بالفعل ، ويصير الألوان بذلك الضوء مبصرة مرئيّة بالفعل - بعد أن كانت مبصرة مرئيّة بالقوّة . كذلك هذا ؛ العقل الذي يفيد العقل الهيولاني شيئا ما يرسمه فيه منزلة ذلك الشيء منه منزلة الضوء من البصر ، وكما إن البصر يبصر الضوء نفسه متّصلا به ، ويدرك الشمس التي هي سبب الضوء فيه متّصلا بها كأنّه هي ، ويبصر بالفعل الأشياء التي كانت مبصرة بالقوّة متّصلا بها ؛ فكذلك العقل الهيولاني إذا استفادت العقل بالفعل 134 وصارت مصوّرة بها ، منوّرة بنور ربها ؛ يعقل نفس ذلك النور العقلي ، وبه يعقل العقل بالفعل ، الذي به يصير الأشياء المعقولة بالقوّة بالفعل متّصلة به صائرة إيّاه .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 339 | محمد خواجوى / صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )