أمّا التورية « 1 »
فقال تعالى لموسى عليه السّلام : « عظّم الحكمة ، فإنّي لا أجعل الحكمة في قلب عبد إلّا وأردت أن أغفر له ، فتعلّمها ، ثمّ اعمل بها ، ثمّ ابذلها كي تنال بذلك كرامتي في الدنيا والآخرة » .
وأمّا الزبور
فقال تعالى : « قل لأحبار بني إسرائيل ورهبانهم : حادثوا من الناس الأتقياء ، فإن لم تجدوا فيهم تقيّا فحادثوا العلماء ، وإن لم تجدوا عالما فحادثوا العقلاء ، فإنّ التقي والعلم 135 والعقل ثلاث مراتب ما جعلت واحدة منهنّ في أحد من خلقي وأنا أريد هلاكه » .
قال بعض العلماء « 2 » : إنّما قدّم اللّه التقى على العلم لأنّ التقى لا يوجد بدون العلم ، كما بيّن في المفاتيح الغيبيّة « 3 » من أنّ الخشية لا تحصل إلّا مع العلم ، والموصوف بالأمرين أشرف من الموصوف بأحدهما ، ولهذا السرّ أيضا قدّم العالم على العاقل ، لأنّ العالم لا بدّ وأن يكون عاقلا - دون العكس - والعقل كالبذر والعلم كالشجرة والتقى كالثمرة . 136 137 وأمّا الإنجيل :
فقد قال تعالى في السورة السابعة عشرة : « ويل لمن سمع بالعلم فلم يطلبه ! كيف يحشر مع الجهّال إلى النار ! اطلبوا العلم وتعلّموه ، فإنّ العلم إن لم يسعدكم لم يشقكم ، وإن لم يرفعكم لم يضعكم ، وإن لم يغنكم لم يفقركم وإن لم ينفعكم لم يضركم ، ولا تقولوا : نخاف أن نعلم ولا نعمل . ولكن قولوا :
نرجو أن نعلم فنعمل . فالعلم يشفع لصاحبه ، وحقّ على اللّه أن لا يخزيه ، إنّ اللّه تعالى يقول يوم القيامة : يا معشر العلماء - ما ظنّكم بربّكم ؟ فيقولون : ظنّنا بربّنا أن يغفر ويرحمنا .
فيقول : إنّي قد فعلت ، إنّي استودعتكم حكمتي لا لشرّ أردته بكم بل لخير أردته بكم فأدخلوا
هامش
( 1 ) هذا النصّ والنصوص الآتي وجلّ ما سبق منقول من تفسير الفخر الرازي : 1 / 403 .
( 2 ) فخر الرازي : التفسير : 1 / 404 .
( 3 ) يشير إلى تفسير الفخر الرازي : 1 / 402 .