توضيح برهاني « 1 » [ شرف العلم وتأثّر النفوس من العقل الفعّال ]
لو أردت أن تسمع كلاما في بيان إن نسبة الجوهر العاقل من الإنسان إذا خرج من القوّة إلى الفعل كانت نسبته إلى المعاني العقليّة والمفهومات الكليّة في عالم الأرواح كنسبة هذه الشمس المحسوسة إلى الأنوار العرضيّة والأضواء الشمسيّة في عالم الأجسام - فاسمع :
إنّ الإنسان في أول نشأته يكون عقلا بالقوّة ، ومعقولا بالقوة ، وإن كان حيوانا محسوسا بالفعل ، لكونه آخر المعاني الجسمانيّة وأول المعاني الروحانيّة ، كبرزخ متوسّط بين العالمين وسور واقع بين الدارين
لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ
[ 57 / 13 ] . 132 فأول ما يحدث في قوّة نفسه الحسّاسة رسوم المحسوسات من القوى الحاسّة التي هي روازن ، ثمّ يجتمع المحسوسات المختلفة الأجناس ، المدركة بأنواع الحواسّ الخمسة ، ويحدث عن المحسوسات الحاصلة في القوّة الحاسّة الرئيسية رسوم المتخيّلات في قوّة نفسه المتخيّلة .
فيبقى هنالك محفوظة بعد غيبتها عن مباشرة الحواسّ لتجردها عن المادّة ضربا من التجرّد ، فيحكم فيها بالجمع والتفريق ، والتركيب والتفصيل ، فيفرد بعضها عن بعض ، ويركّب بعضها إلى بعض ، فيحلّل الأشخاص إلى الأنواع ، والأنواع إلى الأجناس ، والأجناس إلى أجناس الأجناس ، وكذا يستخرج بالتحليل فصولها القريبة والبعيدة .
ثمّ تركّب الأجناس بالفصول ، ويحصل الأنواع ، وأنواع الأنواع ، كلّ ذلك بحسب صورتها الجزئيّة المثاليّة .
هامش
( 1 ) ما يجيء في صدر هذا الفصل من الكلام حول العقل الفعّال مقتبس من السياسة المدنيّة للفارابي : 35 ( بيروت - المطبعة الكاثوليكية 1964 ) . وما يتلوه من نقل الآثار والروايات في فضل العلم مقتبس مما ذكره الفخر الرازي في تفسير الآية .