جهلها نكس رأسه حياء من ذلك ، وهذا أمر فطري .
وذلك يدلّ على أنّ اللذّة الحاصلة بالعلم أكمل اللذّات ، والشقاوة الحاصلة بالجهل أشنع الشقاء .
وأيضا لو قيل للرجل العالم : « يا جاهل » فإنّه يتأذّى بذلك ، وإن كان يعلم كذب ذلك . ولو قيل للرجل الجاهل : « يا عالم » فرح بذلك مع علمه بكذب ذلك .
وأيضا فالعلم أينما وجد كان صاحبه معظما محترما ، حتّى إن الحيوان إذا رأى الإنسان احتشمه بعض الاحتشام ، وانزجر به بعض الانزجار ، وإن كان ذلك الحيوان أقوى بكثير من الإنسان .
والعلماء إذا لم يعاندوا كانوا رؤساء بالطبع على من دونهم بالعلم ، وإنّ كثيرا ممّا كانوا يعاندون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ويريدون قتله كانوا إذا وقع بصرهم عليه ألقى اللّه في قلوبهم الرعب ، فهابوه وانقادوا له - شعر - :
لو لم يكن فيه آيات مبيّنة * كانت بداهته يغنيك عن خبر
وما فضل الإنسان على سائر الحيوان إلّا لاختصاصه بالمزيّة النورانيّة واللطيفة الربّانيّة التي لأجلها صار مستعدّا لإدراك حقائق الأشياء والاشتغال بعبادة اللّه تعالى .
والجاهل كأنّه في ظلمة شديدة إذا أخرج يده لم يكد يريها ، والعالم كأنّه يطير في أقطار الملكوت ويسيح في بحار المعقولات ، فيطالع الموجود والمعدوم والواجب والممكن والمحال . ثمّ يعرف انقسام الممكن إلى الجوهر والعرض ، والجوهر إلى البسيط والمركّب ، ويبالغ في تقسيم كلّ منها إلى أنواعها ، وأنواع أنواعها ، وأجزائها ، وأجزاء أجزائها ، والجزء الذي به يشارك غيره ، والجزء الذي به يمتاز عن غيره ، ويعرف أثر كل شيء ومؤثّره ، ومعلوله وعلّته ؛ ولازمه وملزومه ، وكليّه وجزئيّه ، فيصير كالنسخة الشريفة التي فيها صور المعلومات بتفاصيلها ، وكالصحيفة المنشورة ، وكالكتاب المبين الذي فيه آيات مبيّنات من أسرار الملكوت ، وإنّ الجوهر العاقل منه في عالم الأرواح كالشمس في عالم الأجسام لكونه كاملا ومكملا ، وواسطة بين اللّه وبين عباده .