تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 322

مساهمون:

ص٣٢٢
عن الطبيعة النوعيّة للشيء أو عن لوازمها الذاتية يكون أمرا عارضا اتفاقيا ، والأسباب الاتفاقية لا تدوم - كما ثبت في موضعه - وكلامنا فيما تقتضيه طبيعة كل نوع بحسب ذاته ، وقد ثبت إنّ ذلك إمّا لازم الوقوع أو أكثري الوقوع ؛ فالطبائع الكليّة كلّها من حيث ذواتها واصلة إلى كمالاتها ، وكذا كلّ طبيعة جزئيّة في حركاتها وتشوّقاتها إلى ما هو أعلى منها . ثمّ الغاية في طبيعة جزئيّة إن كانت طبيعية جزئية أخرى فلا بدّ بالأخرة أن تصل إلى طبيعة عقليّة - وإلّا لتسلسل الأمر إلى غير نهاية - والغاية في طبيعة عقليّة طبيعة عقليّة فوقها ، ولا بدّ في الكلّ أن يكون موصلة إلى غاية الغايات ومنتهى الخيرات - وهو الباري جلّت أسمائه - دفعا للدور والتسلسل . فإذا تقرّر هذا فنقول : إنّ لكل طبيعة حسّية - سواء كانت فلكيّة أو عنصريّة طبيعة أخرى عقليّة في العالم الإلهي هي كمالها وغايتها وتأكّد وجودها ، وهي الصور المفارقة الإلهيّة منها ، لأنّها صور ما في علم اللّه وحقائق ما عند اللّه الباقية ببقاء اللّه ؛ وكأنّها هي التي سمّاها أفلاطون وشيعته بالمثل الإلهيّة . وهي حقائق متأصّلة نسبتها إلى هذه الصور الحسّيات الداثرات نسبة الأصل إلى المثال ، والشخص إلى الظلّ ؛ وإنّما هي أصول هذه الأشباح الكائنة المتجدّدة لأنّها حقيقتها وفاعلها وغايتها وصورتها العقليّة المعقولة بالفعل لبارئها دائما ؛ وأمّا هذه فهي ناقصة غير خالية عن القوّة والإمكان ، سائلة زائلة بحسب وجودها الكوني ، لكنّها في وجودها الكوني التجدّدي سالكة مشتاقة إليها ، عائدة محشورة إلى ذلك العالم . وأمّا تلك الصور العقليّات والمثل النوريّات والعلوم الإلهيات فهي أبدا ملحقة بفاعلها ، وغايتها ملاحظة لجمال بارئها ومبدعها لم يرجع إلى ذواتها طرفة عين ، إذ لا ذات لها منفكّة عن ذات مبدعها ، إذ الإمكان هناك لا يفارق الفعليّة ، والقصور لا يباين التمام ، فهي أبدا مستهلكة الذوات في ذات حبيبهم الأول ، لا فرق بينهم وبين حبيبهم