من الأقطار أركانهم ، والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم ، ناكسة دونه تعالى أبصارهم متلفّعون تحته بأجنحتهم « 1 » ، لا يتوهّمون ربّهم بالتصوير ، ولا يجرون عليه تعالى صفات المصنوعين ، ولا يحدّونه بالأماكن ، ولا يشيرون إليه بالنظائر »
- انتهى كلامه عليه السّلام .
وهاهنا وجه آخر وهو إنّ قوله :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ
إشارة إلى تسويته تعالى باطن الإنسان وسماء عقله سبع درجات باطنيّة معروفة عند أهل الحقيقة ، وهي : النفس والقلب ، والعقل ، والروح ، والسرّ ، والخفي ، والأخفى .
وتوجيه ذلك بأنّه تعالى لما ذكر في الآية السابقة
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
مشيرا إلى أنه تعالى أخرج خلق الإنسان من أدنى المراتب ، وصوّره صورة بعد صورة ، وأحياه حيوة « 2 » بعد كلّ ممات ، وكمالا بعد كل نقص حتى رجع إليه تعالى ، وعاد إلى ما بدأ منه - كما قال تعالى :
كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ
[ 21 / 104 ] أراد إلى كيفية هذا الرجوع وبيان هذه الإعادة على ضرب من التفصيل بعد ما أجمل فيه فقال :
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
إشارة إلى طيّه في السلوك إلى اللّه تعالى جميع الدرجات الأرضية - من الجماديّة والنباتيّة والحيوانيّة -
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
أي قصد بإرادته إلى سماء عقله
فَسَوَّاهُنَّ
سبعة أطوار
وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
إذ قد جمع علم الأسماء كلها في هذا النائب الربّاني ، والخليفة السبحاني تأييدا وتنويرا لقوله :
وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
[ 45 / 13 ] وقوله
وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً
[ 31 / 20 ] وقوله
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا
[ 17 / 70 ] .
هامش
( 1 ) أضيف في النهج : مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزة واستار القدرة .
( 2 ) أضيف هنا في المطبوعة : « بعد كل قوة ونزعا » . وهذه الجملة جاءت بحاشية نسخة المسجد الأعظم غير مشير إلى محله من الكلام .