قاعدة أخرى مشرقيّة [ خلق السماء مقدّم على الأرض من وجه ومؤخّر من وجه ]
ثمّ اعلم إن الإنسان بحسب سيره الباطني كلّما وصل إلى درجة من درجات الكون اتّحد بها واتّصف بصفاتها وأحكامها وصدر منه أفعالها وآثارها المختصّة ، أو لا ترى إنّه منذ أخذ في السلوك من أول تكوّنه من التراب ، وهو أنزل مراتب الأكوان ومن النطفة ، وهي أوهن الصور الجماديّة الحاصلة من امتزاج الأركان ، فكلّ مرتبة وصل إليها من النبات والحيوان تحقّق بحقيقتها واتّحد بماهيتها ، حتّى وصل إلى الألطف فالألطف من الأكثف فالأكثف .
فوصل في جسميّته إلى جرم دخاني هو أشبه الأجرام بالسماء ، وفي روحانيّته إلى عقل يدرك به كلّيات الأشياء ، فلا يزال يتصفّي ويترّقي روحا وبدنا إلى أن يتّحد بعقله العقل الفعّال ، وبجسمه صورة السماء المبرّأة عن تفاسد الأضداد والأمثال ، وهكذا يترّقي - إذا ساعده الهداية - من سماء إلى سماء [ عليا ] ، ومن عقل أدون إلى عقل أعلى حتّى يصل إلى سدرة المنتهى ، عندها جنّة المأوى ، كما قال تعالي
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ
[ 35 / 10 ] .
وبما ذكر من هذه المقدّمات يتذكّر اللبيب البصير ويتمكّن من أن يذعن بأن اللّه بنى ملك السماوات وملكوتها تارة أخرى وعمّرها بأعمال بني آدم ، وزيّن بيوتها وبروجها وسقوفها وحيطانها بمصابيح أنوار عقولهم ، واسم السماء إنّما اطلق عليها بعد سموّ قدرها بارتقاء أرواحهم إليها واتّصالهم بها ، وتعمير اللّه ايّاها بزينة أعمالهم ومحاسن نيّاتهم ، وكان اسمها فلكا ومجرى للكواكب والدراري .
وبناء هذه المقاصد أيضا على أن الطبائع متجدّدة سيّالة متوجّهة من أنقص المراتب إلى أعلاها ، وإنّ الكل بحسب ما ارتكز في جبلّاتهم وغرائزهم إن لم يعقها عائق متوجّهون نحو الحضرة الإلهية ، فولّى اللّه وجوههم شطره ، وقلوبهم نحوه -