تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
رويّتك فيه وقس على ذلك نظائرها الباقية وتدبّر في هذه الآية من آيات ربّك ، وانظر فيها بنظر الإمعان والاعتبار ، وحدّق بصر بصيرتك في ملاحظة ما انزل معها من أنوار عالم الأسرار ، فقد ذكر اللّه فيها إن اللّه
خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
وقال في موضع آخر تأكيدا وتنويرا لهذا :
وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
[ 45 / 13 ] وقوله مخاطبا للملائكة الأرضيّة والسماويّة :
اسْجُدُوا لِآدَمَ
[ 2 / 34 ] فسجد الملائكة كلّهم أجمعون وقوله :
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ
[ 41 / 53 ] . فظهر وتبيّن من هذه الآيات والحجج البيّنات إنّ الإنسان غاية جميع الأكوان وثمرة وجود الأفلاك والأركان ، وظاهر إن ابتداء هبوطه من العالم الأعلى والجنّة التي فيها آدم وزوجته ، فهبط منها مارّا على جميع الطبقات لقوله :
اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً
[ 2 / 38 ] فإذا نزل بساحته منسلخا عن الفطرة كثيرا وقيل لهم :
اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ
[ 7 / 24 ] . ومعلوم عند أرباب الحكمة والعرفان إنّ آخر منازل كل متحرّك سلك بحسب الجبلّة هو أول مواطنه ، فالإنسان حيث نزل من عالم الجنّة الإلهيّة فلا بدّ من ( ظ : في ) عروجه بحسب المنزلة الحقيقيّة النوعيّة أن يصعد إليها ، والصعود إلى أعلى المراتب يمتنع إلّا بعد المرور على كلّ درجة درجة يكون بينها وبين ابتداء الرجوع . فصعود الإنسان بحسب كماله النوعي أو الشخصي إلى طبقات ملكوت السماوات ممّا لا بدّ من وقوعه في السير الرجوعى إلى ربّه كما قال تعالى
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
[ 6 / 75 ] وربّ شخص إنساني وصل إلى بعض الطبقات ووقف هنالك إلى أن يشاء اللّه ، قال تعالى :
وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا
[ 6 / 132 ] .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 281 | محمد خواجوى / صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )