تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
لا يقال : كيف يعدّ الإماتة 67 من النعم المقتضية للشكر ؟ لأنّا نقول : لمّا كانت وصلة إلى الحياة الأبديّة كانت نعمة عظيمة . وأمّا مع المؤمنين خاصّة لتقرير المنّة عليهم ، وتبعيد الكفر عنهم على معنى : كيف يتصوّر منكم الكفر وكنتم جهّالا فأحياكم اللّه بما أفادكم من نور الايمان واليقين ؟ على طباق قوله :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً
[ 6 / 122 ] ثمّ يميتكم الموت المعروف ، ثمّ يحييكم الحياة الحقيقيّة 68 ، ثمّ إليه ترجعون [ فيشيبكم ] بما لا عين رأت 69 ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . واعلم انّهم ذكروا وجوها في الموت والحياة المذكورتين في هذه الآية مرّتين . فعن قتادة : إنّهم كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم - يعني : نطفا - ثمّ أحياهم اللّه في الدنيا ، ثمّ أماتهم الموتة التي لا بدّ منها ، ثمّ أحياهم بعد الموت في الآخرة . وعن ابن عباس وابن مسعود : إنّ معناه لم تكونوا شيئا فخلقكم ، ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم يوم القيامة . وقيل : معناه
كُنْتُمْ أَمْواتاً
يعني خاملي الذكر
فَأَحْياكُمْ
بالظهور
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
عند تقضّى آجالكم
ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
للبعث . والعرب يسمى كل أمر خامل « ميّتا » وكلّ مشهور « حيّا » . قال : « 1 »
فأحييت من ذكري وما كان خاملا * ولكنّ بعض الذكر أنبه من بعض
والوجه الرابع : إنّ معناه : كنتم نطفا في أصلاب آبائكم وبطون امّهاتكم - والنطفة موات - فأخرجكم إلى دار الدنيا
فَأَحْياكُمْ ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
[ في الدنيا
ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
] في القبر للمسائلة
ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
أي يبعثكم يوم الحشر للحساب والمجازاة على الأعمال .
هامش
( 1 ) القائل أبو نخيلة الراجز . واسمه يعمر بن حزن كما في المؤتلف المختلف للآمدي ( ص 296 القاهرة 1381 ) وصدر البيت فيه : « وأحييت لي ذكرا وما كان خاملا » .