تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
فلم يزدهم بيان النبي صلّى اللّه عليه وآله وإعجاز القرآن إلّا ريبا على ريب وخسارا على خسار ؛ كما قال اللّه تعالى :
وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ
[ 10 / 101 ] . فلمّا أحجبوا عن مشاهدة أنوار الحبيب ، ومنعوا عن مطالعة آيات الكتاب أقام عليهم الحجّة البيّنة إعلاما لبعدهم عن المحجّة ، وإيذانا بانحرافهم عن الصراط المستقيم ، وتنكّبهم عن الطريق القويم ، وأراهم كيف يتعرّفون ما أتى به عبده ؛ أهو من عند اللّه - كما يدّعي - أم هو من عند نفسه - كما يدّعون . ونفوس البشر - بما هي نفوس البشر - متماثلة وإنّما التفاوت والتفاضل بأمور اخرويّة فائضة عليها من اللّه ، فلو كانت النبوّة كسبيّة ، أو كان القرآن ألفاظا تأليفيّة ، لمّا عجزوا عن آخرهم عن اكتسابها ومعارضته . فأرشدهم إلى أن يجرّبوا أنفسهم ويمتحنوا أذواق طباعهم - وهم أبناء جنسه وأهل جلدته - هل يقدرون على الإتيان بمثل ما أتى به ؟ وإن كانوا من مصاقع الخطباء من العرب العرباء - مع كثرتهم وإفراطهم في المضادّة والمضارّة ، وتهالكهم على المعازّة والمعارّة ؛ فعرّفهم ما يتعرف به اعجازه ، ويتيقّن إنّه من عند اللّه كما يدّعيه عبده . وإنّما سمّاه « عبدا » مطلقا مقيّدا ب « ه » ولم يسمّ غيره من الأنبياء عليهم السّلام إلّا بالعبد المقيّد المقرون باسمه - كما قال :
وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ
[ 38 / 41 ]
وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ
[ 38 / 17 ] وغيرهما - وذلك لأنّ كمال العبوديّة ما تهيّأ لأحد من العالمين إلا لحبيبه - صلوات اللّه عليه وآله - لأنّه يحصل في كمال الحريّة عما سوى اللّه بقطع منازل الخلق والأمر كلها وطيّ معارج الملك والملكوت ، والخروج عن مكامن أطوار الإنيّة ومطاوي أستار الأنانيّة إلى فضاء مشاهدة الأحديّة وعرصة القيامة اللاهوتيّة .