تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
وهذا غاية الإلزام ونهاية التبكيت التي لم يبق للمحجوج المعاند مجال الكلام إلّا بإتيان المثل أو ما يقرب منه لو وجد عنده أو أخذه من أقرانه وأعوانه ، كما قال ،
وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
[ 17 / 88 ] وإذا لم يأت بمثله ولا بما يقرب منه فقد علم عجزه . فهذا أوضح الطرق للدلالة على أن القرآن معجزة ، وذلك لأنّه لا يخلو حاله من أحد وجوه : إمّا أن يكون مساويا لكلام سائر الفصحاء ، أو زائدا عليه بقدر لا ينقض العادة ، أو زائدا عليه بقدر ينقض العادة . والأولان باطلان ، فتعيّن الثالث . أما بطلانهما : فإنّه صلّى اللّه عليه وآله تحدّى بالقرآن ، ودعى إلى الإتيان بسورة مثله مصاقع البلغاء والفصحاء مع [ كثرتهم ] كثرة رمال الدهناء وحصاء البطحاء ، وكانوا في معرفة اللغة والاطلاع على قوانين الفصاحة في الغاية ، [ و ] كانت شهرتهم بغاية العصبيّة والعناد والحميّة الجاهلية واللداد فوق النهاية ، وكان تهالكهم على المباهاة والمبالاة والدفاع عن الأحساب وركوب الشطط في هذا الباب خارجا عن الحدّ والحساب ؛ فعجزوا حتى آثروا المقارعة على المعارضة ، وبذلوا المهج والأرواح دون المدافعة . فلو قدروا على المعارضة بالمثل - أو بالأقلّ منه تفاوتا غير فاحش - لعارضوا بمقارعة اللسان - لا بمعارضة السيف والسنان - ولم يرتكبوا ضروب المهالك والمحن ، ولم يبذلوا النفوس والأموال في الحروب والفتن - إذ المعارضة أقوى القوادح - ولو عارضوا لاشتهر وتواتر نقله إلينا لتوفّر الدواعي وعدم الصارف . والعلم بجميع ذلك يجري مجرى الضروريّات كسائر علوم العاديّات ، ولا يقدح فيه احتمال أنّهم تركوا المعارضة مع القدرة عليها ، أو عارضوا ولم ينقل إلينا لمانع - كعدم المبالاة وقلّة الالتفات والاشتغال بالمهمّات .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 126 | محمد خواجوى / صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )