تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
وهو المختصّ بهذه الكرامة كما أثنى اللّه عليه بذلك :
إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى * ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى
[ 53 / 16 - 17 ] فلمّا اختصّ بهذه الحريّة أكرم بهذه العبوديّة ، وسمّي باسم العبد المطلق ، كما قال :
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
[ 53 / 10 ] وهو المقدّم في رتبة التشريف في التشّهد على الرسالة . وإنّما ذكره في هذه الآية ب « عبدنا » لأنّه أمر في الآية المتقدّمة بالعبوديّة خالصة للّه بترك الأنداد ورفض الأحباب - من الدنيا والهوى والنفس وشهواتها من المراتع الحيوانيّة والملاذّ النفسانيّة - وما صحّ لاحد من العالمين من العبودية الخالصة كما صحّ له صلّى اللّه عليه وآله ، فذكره في هذا المعرض وسمّاه به وأضافه إلى ذاته تنبيها على منزلته فقال
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا
أنعمنا على عبدنا محمّد صلّى اللّه عليه وآله بحسن الطاعة والخدمة وكمال العبودية والاستعداد بإنعام الوحي وإنزال القرآن
فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ
. وإنما قيل : « نزّلنا » - على لفظ « التنزيل » دون « الإنزال » - لأنّ المراد نزوله على نهج التدريج والتنجيم ، وهو الحريّ بمكان التحدّي ، لأنّهم كانوا يقولون : لو كان هذا من عند اللّه لم ينزل هكذا نجوما - سورة بعد سورة ، وآيات غبّ آيات - على سنن أهل الخطابة والشعر ، حيث صدر عنهم وسنح ببالهم مضامين الأشعار والخطب حسب ما عنّ لهم من الأحوال وتجدّد عليهم سوانح الحاجات ، ولم يلق الناظم ديوان شعره دفعة ، ولم يرم الخطيب مجموع خطبه ورسائله ضربة ، كما حكى اللّه عنهم
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً
ثمّ بيّن الحكمة في ذلك بقوله :
كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا
[ 25 / 32 ] . وذلك لأن اللّه بيّن حجّة نبيّه بأوضح وجه وآكده ، فأزاح علّتهم وأدحض حجّتهم بأنّه إن ارتبتم في هذا الذي وقع إنزاله هكذا على مهل وتدريج فهاتوا بمثل نجم من نجومه ، وقسم من أقسامه ، وسورة من سوره ، أو آيات مفتريات .