أو مقدّر منويّ ، وهو : إن شركائكم لا تماثله أو لا تقدر على مثل ما يفعله ، كقوله :
هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ
[ 30 / 40 ] والمقصود منه التوبيخ والتثريب ، لا تقييد النهي بالجملة الحاليّة وقصره عليها ، فإنّ التكليف عامّ للعالم والجاهل المتمكّن منه - لا يختصّ بالعلماء ، وإن كان الأمر عليهم أشدّ ، والحجّة عليهم أقوى .
فصل
وأما الأنوار الإلهيّة والأسرار الربوبيّة المندمجة في طيّ ألفاظ هاتين الآيتين فكثيرة منها : إن الخطاب ب « يا أيّها الناس » يستدعي حضورهم كلّهم دفعة واحدة - كما هو مفاد الخطاب لاسم الجمع المحلّى باللام - وأين للمعدوم الغائب منهم وجود حاضر وسمع يسمع به الخطاب ؟ ! والسرّ فيه إن للإنسان نحوا آخر بل أنحاء أخرى من الوجود قبل دخوله في عالم الحسّ والشهادة كما إن له نشأة أخرى بل نشئات اخر بعد خروجه من هذا العالم .
ومنها إن صيغة الأمر كما تحتمل الأمر التشريعي تحتمل الأمر التكويني ، كما في قوله تعالى :
يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً
[ 21 / 69 ] وقوله :
يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ
[ 34 / 10 ] والتخلّف عن الأمر بالمعنى الأول محرّم ، وعنه بالمعنى الثاني مستحيل ؛ فقوله . « اعبدوا » إن كان أمر تكوين يجب وقوع مقتضاه .
وهو كذلك إلا إنّ العبادة أيضا على ضربين : إحداها ما لا تكلّف فيه - وهو الامتثال الوجودي والطاعة بحسب الجبلّة ، فجميع الأشياء بذواتها وطبائعها مطيعة للّه تعالى - والثاني ما لا يخلو عن تكلّف وتعمّل ، وهو مخصوص بنوع الإنسان ،