فكلّ ما نزل من السماء فقد نزل من السماء ؛ وإن أريد بها « الفلك » فلأنّ أسباب حدوث الأمطار وغيرها إنما تنبعث من أمور سماويّة وأنوار كوكبيّة تقع بحركاتها على مواضع من الأرض والبحار ، فتثير الأجزاء اللطيفة من أعماق الأرض وأطراف البحر إلى جوّ الهواء ، فيعقد هناك سحابا ماطرا .
و « من » الثانية للتبعيض ، بدليل قوله تعالى :
فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ
[ 35 / 27 ] ولأن المكتنفين به - أعني « ماء » و « رزقا » - منكّران ، والتنكير يفيد البعضيّة ، فكأنّه قال : « وأنزلنا من السماء بعض الماء ، فأخرجنا به بعض الثمرات ، ليكون بعض رزقكم » والواقع هكذا ، إذ لم ينزل من السماء كلّ الماء ، ولا أخرج بالمطر كل الثمر ، ولا جعل الثمرات كل أنحاء المرزوق - فإن من الرزق ما هو غيرها .
ويحتمل التبيين ، ويكون « رزقا » مفعولا بمعنى « المرزوق » كقولك : « أنفقت من الدراهم ألفا » وعلى الأول كان مصدرا انتصابه بأنّه مفعول له .
وإنّما لم يقل : « الثمر » و « الثمار » - جمع الكسرة - والموضع موضعها تنبيها على قلّة ثمار الدنيا واشعارا بتعظيم نعيم الآخرة ، أو إنّه أراد بالثمرة جماعة الثمرة ، كما في قولك : « أدركت ثمرة بستانه » ويؤيّده قراءة من قرء « الثمرة » - على التوحيد - أو لأن الجموع يتعاور بعضها موقع بعض ، كقوله تعالى :
كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ
[ 44 / 25 ] وقوله :
ثَلاثَةَ قُرُوءٍ
[ 2 / 228 ] . أو لأنّه لمّا كانت محلّاة باللام أفادت الكثرة وخرجت عن حدّ القلّة .
وقوله : « لكم » صفة « رزقا » - إن أريد به المرزوق ، ومفعوله إن أريد به المصدر ، يعني : « رزقا ايّاكم » .
وقوله : « فلا تجعلوا » متعلّق إمّا بقوله : « اعبدوا » على أنه نهي معطوف عليه ، أو نفي منصوب بإضمار « أن » جواب له ؛ وإمّا بقوله « لعلّكم » والمعنى « خلقكم لكي تتّقوا وتخافوا عقابه فلا تجعلوا له ندّا » فيكون منصوبا كنصب « اطّلع » في قوله :