وأمّا وجوه أفضليّة الأرض : فهي إن اللّه وصف بقاعا من الأرض بالبركة بقوله :
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً
[ 3 / 96 ] وقوله :
فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ
[ 28 / 30 ] وقوله :
إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ
[ 17 / 1 ] ووصف أرض الشام بالبركة فقال :
مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها
[ 7 / 137 ] ووصف جملة الأرض بالبركة فقال :
وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها
[ 41 / 10 ] .
قيل : « وأيّ بركة في المفاوز المهلكة ؟ » . وأجيب : بأنها مساكن الوحوش ومرعاها ، ومساكن الناس إذا احتاجوا إليها ، ومساكن خلق لا يعلمهم إلّا اللّه .
ولهذه البركات قال :
وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ
[ 51 / 20 ] تشريفا لهم لأنّهم هم المنتفعون بها ، كما قال :
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
[ 2 / 2 ] .
وإن خلق الأنبياء من الأرض
مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ
[ 20 / 55 ] وأكرم نبيّه المصطفى صلّى اللّه عليه وآله فجعل له الأرض كلّها مسجدا ، وترابها طهورا ، فإذا كانت الأرض كلّها مسجدا له - والمساجد بيوت اللّه ، وبيوت اللّه أكرم البيوت لإضافتها إلى اللّه - فيكون أكرم من بناء السماء .
ومن هاهنا يظهر فضل هذه الامّة على سائر الأمم ، إذ قد ورد في الخبر لمن يلازم المساجد من الفضل عند اللّه ، وامّته لا يبرح في مسجد أبدا ، لأنّ الموت انتقال لأبدانهم من ظهر الأرض إلى بطنها ، وملازم المسجد جليس اللّه في بيته ، فهذه الامّة جلساء اللّه حيوة وموتا .
وأما قوله تعالى :
وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ
فاعلم إنّه تعالى لمّا ذكر الأرض والسماء بين ما فيهما من شبه عقد النكاح بإنزال الماء من السماء إلى الأرض والانخراج به من بطنها أشباه النسل الحاصل من الحيوان ومن ألوان الثمار ، رزقا لبني آدم ، ليتفكّروا في أنفسهم وفي أحوال ما فوقهم وما تحتهم ، ليعرفوا أن شيئا من هذه الأشياء لا يقدر على تكوينها وتخليقها إلّا من كان