تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
مخالفا في الذات والصفات ، لما ثبت وتحقّق في العلوم العقليّة « إنّ المتّفقات في الحقيقة والذات لا يمكن أن تكون متفاوتة في العليّة وعدمها والتقدّم والتأخّر والقوّة والضعف . فإن قلت : هل تقولون إنّ اللّه يخلق هذه الثمرات عند وصول الماء بمجرى العادة ، أم اللّه يخلق في مادّة النبات من الأرض عقيب إنزال الماء قوّة مغذية ، وأخرى منمية ، وأخرى مولّدة ، فإذا اجتمعت القوى الفاعليّة والموادّ المنفعلة حصل الأثر من تلك القوى التي خلقها ؟ قلنا : لا ذاك - كما هو مذهب الأشاعرة - ولا هذا - كما هو مذهب أهل الحكمة بل شيء آخر أشرنا إليه من قبل ، وهو إن اللّه يفعل الكلّ بتقدّم وتأخّر ، ولكن اللّه قادر على أن يخلق هذه الثمار من غير هذه الوسائط ، لأنّ المصحّح للمقدوريّة هو الإمكان - كما مرّ - ويؤكّد هذا القول من الدلائل النقليّة ما ورد في الخبر ، « إن اللّه تعالى يخترع نعيم أهل الجنة للمثابين من غير هذه الوسائط » فقدرته على خلقها ابتداء لا تنافي قدرته عليها بواسطة خلق هذه القوى المؤثّرة والقابلة في الأجسام . وظاهر قول أكثر المتكلّمين إنكار ذلك ، ولا بدّ لهم فيه من دليل ؛ ثمّ إنهم حيث لم يأخذوا العلوم من أهل بيتها وأربابها ، ولم يأتوا البيوت من أبوابها أشكل عليهم الأمر من جهة إنه تعالى لمّا كان قادرا على خلق هذه الثمار بدون هذه الوسائط فما الوجه في خلقها بهذه الوسائط في هذه المدّة الطويلة ؟ ثمّ أجابوا عن ذلك تارة بالجواب العامي المشترك فيه لجميع ما يشكل عليهم كمن يعبد اللّه على حرف - وهو « إنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد » - وليتهم اكتفوا به ! - وتارة بما ذكروا من الأجوبة الخاصّة : أحدها : إنّه تعالى إنما أجرى العادة بأن لا يفعل إلّا على ترتيب وتدريج ، لأن المكلّفين إذا تحمّلوا المشقّة في الحرث والغرس طلبا للثمرات وكدّوا أنفسهم في ذلك حالا بعد حال علموا إنهم لمّا احتاجوا إلى تحمّل هذه المشاقّ لطلب