اللبن ، والأرض تطعمك ألوانا من الأطعمة ، ثمّ قال :
مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ
[ 20 / 55 ] معناه : نردّكم إلى هذه الأمّ ، وليس هذا بوعيد ، لأنّ المرء لا يتوعّد بامّه ، وذلك لأنّ مقامك من الامّ التي ولدتك أضيق من مقامك من الأرض ثمّ إنّك كنت في بطن الامّ تسعة أشهر وما مسّك جوع ولا عطش ، فكيف إذا دخلت بطن امّك الكبرى ولكن بشرط أن تدخل بطن الامّ الكبرى كما كنت في بطن الامّ الصغرى ما كانت لك زلّة - فضلا من أن تكون لك كبيرة بل كنت مطيعا للّه ، فحيث دعاك مرّة بالخروج إلى الدنيا خرجت إليها بالرأس طاعة منك لربّك ، واليوم يدعوك سبعين مرّة إلى الصلاة فلا تجيبه برجلك .
فإذا تأمّل العاقل في هذه العجائب والغرائب يسافر بعقله من هذه النشأة إلى باب مدبّر حكيم ، ومقدّر عليم - إن كان ممّن يسمع بقلبه ، ويبصر ويعي بعقله ويعتبر .
الإشراق الرابع : في بيان حكم اللّه تعالى ودلائل صنعه وقدرته في خلق السماء ، وكونها بناء
« البناء » مصدر ، سمّى به المبنيّ - بيتا كان أو قبّة أو خباء - وأبنية العرب أخبيتهم ، ومنه : « بنى بامرأته » لأنّهم إذا تزوّجوا ضربوا عليها خباء جديدا .
قال الجاحظ : « إذا تأمّلت هذا العالم وجدت كالبيت المعدّ فيه كل ما يحتاج إليه ؛ فالسماء مرفوعة كالسقف ، والأرض ممدودة كالبساط ، والنجوم منضودة كالمصابيح ، والإنسان كمالك البيت المتصرّف فيه بعقله وفكره ، وضروب النبات مهيّأة لمنافعه ، وصنوف الحيوان منصرفة في منافعه فهذه جملة واضحة دالّة على أن العالم مخلوق بتدبير كامل ، وتقدير شامل » .
تنبيه :
لمّا دريت إن تجدد الحوادث والأبدان وتعاقب الأكوان في الأزمان لا بدّ له