بصيرة
اعلم إن للايمان مراتب متفاوتة في الكمال والنقص ، فربّ مؤمن يكون له من المعرفة باللّه واليوم الآخر ما لا يمكن له إظهاره وكشفه للمؤمنين ، كما لا يمكن للكافرين فهو يداري مع الطرفين ويعمل على التقيّة في الجانبين فيتكلّم مع كل منهما على قدر عقولهم ، وهو مع اللّه لا يبرح ناظرا في عباده بعين الرضا . وهذا ضرب من النفاق لكنّه غير مذموم بل واجب كما دلّ عليه
قوله صلّى اللّه عليه وآله : كلّموا الناس على قدر عقولهم .
قال بعض العرفاء : اعلم إنّ الإنسان ذو وجهين : وجه إلى ذاته ، ووجه إلى ربّه .
ومع أي وجه توجّه غاب عنه وجهه الآخر ، وكلّ منهما غير وجه ربّك ذي الجلال والإكرام ، فكل من وجهيه هالك داثر إذا لم يستحكم علاقته مع وجه ربّه ، فإذا انقلب إليه ، فنى عنه وجهه فصار غريبا في الحضرة يستوحش فيها ويطلب وجهه الذي كان يأنس به فلا يجده فيبقى في عذاب وحسرة .
وأما إذا استحكمت علاقته مع الحق تعالى ، فإذا توجّه إلى وجه ربه ، أقبل عليه ولم يكن له مؤنس سواه ولا مشهود إلّا إيّاه ، فصار الحق له وجها وسمعا وبصرا ففرح بلقائه وعاد الأنس الأعظم ، ويتذكّر الأنس الماضي به ، فيزيد أنسا إلى أنس ويرى عنده وجه ذاته ولا يفقده ، لأنه أصله ، فيجمع بين الوجهين في صورة واحدة ، فيجد الأنس لاتّحاد الوجهين فيعظم السرور والابتهاج . وهذه حالة جمعية برزخيّة لكونها جمعت بين الطرفين فمن جمع بينهما في الدنيا ، حرم ذلك في الآخرة كالمنافق ، فإنه يريد أن يكون برزخا جامعا بين المؤمن والكافر ، فإذا انقلب ، تخلّص إلى أحد الطرفين وهو طرف الكفر ، إذ لم يستحكم علاقته بالايمان ، ولم يتخلص له ، فلو تخلّص هنا إلى الايمان ولم يكن برزخا كان إذا انقلب ، انقلب إلى اللّه كما ذكرناه من جمعه بين الطرفين ، فاحذر هاهنا من صفة