ما يفعل بهم في الآخرة كما أنهم أظهروا للنبي صلى اللّه عليه وآله أمرا كان الحاصل معهم في السر خلافه وفيه نظر .
وخامسها : إنه تعالى يعاملهم معاملة المستهزئ ، أما في الدنيا فلأنه يطلع الرسول صلى اللّه عليه وآله على أسرارهم مع أنهم بالغوا في كتمانها عنه ، ويجرى عليهم أحكام المسلمين ويستدرجهم من حيث لا يشعرون ويمهلهم مدة في النعمة والتمادي على الطغيان .
وأما في الآخرة فقال ابن عباس : إذا دخل المؤمنون الجنة والكافرون النار ، فتح اللّه تعالى من الجنة بابا إلى الجحيم الذي هو مسكن المنافقين فإذا رأى المنافقون الباب المفتوح أخذوا يخرجون من الجحيم ويتوجّهون إلى الجنة وأهل الجنة ينظرون إليهم ، فإذا وصلوا إلى باب الجنة فهناك يغلق دونهم الباب فذاك قوله تعالى
فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ
[ 83 / 34 ] وهذا هو الاستهزاء .
وإنما استؤنف الكلام ولم يعطف ، ليدل على أن اللّه تعالى هو الذي يتولّى الاستهزاء بهم انتقاما للمؤمنين ، ولا يحوج المؤمنين إلى أن يعارضوهم باستهزاء مثله ، وللإشعار بأن استهزاءهم بالمؤمنين لا يعبأ به في مقابلة ما يفعل اللّه بهم .
وإنما لم يقل : « اللّه مستهزء بهم » ليطابق قولهم ، لأن المضارع يفيد الحدوث وقتا فوقتا ، والتجدد حينا بعد حين وهكذا كانت نكايات اللّه فيمن سلك النفاق وباع آخرته بالدنيا كما قال
أَ وَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ
[ 9 / 126 ] .
وأيضا فما كانوا يخلون في أكثر أوقاتهم من تهتّك أستارهم وتكشّف أسرارهم واستشعار خوف وحذر من أن يرد عليهم عذاب أو ينزل فيهم آية تفضحهم كما قال :
يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ
[ 9 / 64 ] .