الأول : بحمل المرض على الغمّ لأنه يقال : مرض قلبي من أمر كذا ، أو المعنى :
إن المنافقين لما رأوا ثبات أمر النبي صلّى اللّه عليه وآله واستعلاء شأنه يوما فيوما وذلك كان يؤثّر في زوال رياساتهم ، فهؤلاء لما اشتدّ عليهم الغمّ وصف اللّه تعالى ذلك ، أي زادهم غمّا على غمّهم بما يزيد في أمر الرسول وتعظيم شأنه .
الثاني : إنّ مرضهم وكفرهم كان يزداد بسبب ازدياد التكاليف وتكرير الوحي وتضاعف النصر . فهو كقوله تعالى في السورة
فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ
[ 9 / 125 ] والسورة لم تفعل ذلك ، ولكنهم ازدادوا رجسا عند نزولها لما كفروا بها قبل ذلك وكقوله
وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً
[ 5 / 64 ] وقوله :
فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً
[ 35 / 42 ] وكقولك لمن نصحته فلم يقبل وتمادى في فساده : ما زادتك نصيحتي إلّا شرّا وفسادا فكذا هؤلاء المنافقين لمّا كفروا وازدادوا كفرهم عند التكليف والدعوة من اللّه إلى شرائع دينه ، أضيفت زيادة كفرهم إليه تعالى .
الثالث : أن يراد ما تداخل قلوبهم من الضعف والجبن والخوف لأنّ قلوبهم كانت قويّة إمّا لقوّة طمعهم فيما كانوا يتحدثّون به انّ ريح الإسلام تهبّ حينا ثم تسكن ولواؤه يخفق أياما ثم يقرّ ، فضعفت حين ملكها اليأس عند إنزال اللّه على رسوله النصر وإظهار دينه الحقّ على الدين كله . وإمّا لجرأتهم وجسارتهم في الحرب فضعفت جبنا ، حين قذف في قلوبهم الرعب وشاهدوا شوكة المسلمين وأمد اللّه لهم بالملائكة .
ومعنى الزيادة إنّه كلّما زاد اللّه رسوله نصرة وتبسّطا في البلاد ، ازدادوا حسدا وبغضا وازدادت قلوبهم ضعفا ويأسا عما طمعوا فيه وجنبا وخوارا ، وأن يحمل المرض على تغيّر مزاج القلب وتألّمه ، وذلك لأنّ الإنسان إذا صار مبتلى بالحسد والنفاق ومشاهدة المكروه فإذا دام به ذلك ، فربما صار ذلك سببا لتغيّر مزاج قلبه ومرضه ، قالوا : وحمل اللفظ على هذا الوجه حمل له على حقيقته فكان أولى من سائر الوجوه .