والسمع والبصر هما مشعران للإنسان اللذان هما بابا الفهم والاعتبار ، فحرموا عن جدواهما لامتناع نفوذ المعنى فيهما إلى القلب . فلا سبيل لهم في الباطن القلبي إلى عالم العلم الإلهي الكشفي ولا في الظاهر السمعيّ والبصري إلى الباطن القلبي والعلم التعليمي الكسبي .
فحبسوا في سجون الظلمات وحبوس التعلّقات وقيود الجحيم والسلاسل والأغلال والعذاب المقيم ، فما أشدّ عذابهم .
ولما ذكر تعالى أوصاف القسمين أعني المؤمنين والكافرين مطلقا ، ثلّث بذكر القسم الثالث وهم الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم تكميلا للتقسيم ، وهم أخبث قلبا من الكفرة وأبغضهم إلى اللّه لأنّهم موّهوا الكفر بالايمان فخلطوا به خداعا واستهزاء .
ولذلك طوّل في بيان خبثهم وجهلهم واستهزائهم ، وتهكّم بأفعالهم ، وسجّل على عمههم وطغيانهم ، وضرب فيهم الأمثال وأنزل فيهم :
إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ
[ 4 / 145 ] لأنّهم مع ادعائهم الايمان بقولهم
آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ
سلب عنهم الايمان وما هم بمؤمنين .
لأنّ حقيقته العلم بحقائق الأمور الإلهيّة ومحلّه هو القلب لا اللسان
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ
[ 49 / 14 ] ومعنى قولهم :
آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ
ادعاؤهم لعلمي التوحيد والمعاد اللذين هما أصل الدين وأساسه ، أي لسنا من المشركين المحجوبين عن الحقّ ولا من أهل الكتاب المحجوبين عن الدين والمعاد لأن اعتقاد أهل الكتاب ليس مطابقا للحقّ والصواب .
واعلم إنّ الكفر هو الاحتجاب كما مرّ ، والاحتجاب إمّا عن الحقّ فهو كما للمشركين ، وإمّا عن الدين كما لأهل الكتاب . والمحجوب عن الحقّ محجوب عن الدين الذي هو طريق الوصول إليه بالضرورة .