وأمّا المحجوب عن الدين فقد لا يحجب عن الحقّ . فهؤلاء ادّعوا رفع الحجابين فكذّبوا بسلب الايمان عن ذواتهم لمخادعتهم للّه وأوليائه ، ومماكرتهم وزيادة المرض في قلوبهم مع الهلاك الأخروي ، فهؤلاء أسوء مآلا وأشد نكالا من عامّة الكافرين .
ولهذا فرّق اللّه بين العذابين بالعظم والألم ، لأن عذاب المطرودين في الأزل وإن كان أعظم لنزولهم في مهوى الحشرات والدوابّ والأنعام فلا يدركون شدّة عذابهم ولا يجدون غمّهم وألمهم لعدم صفاء إدراك قلوبهم بواسطة كثافة الحجاب وغلظة النقاب ، كحال العضو الميّت أو المفلوج أو الخدر بالنسبة إلى ما يجرى عليه من القطع والكيّ وغير ذلك من الآلام .
وأما المنافقون فلثبوت استعدادهم في الأصل وبقاء إدراكهم يجدون شدّة الألم فلا جرم كان عذابهم أليما مسبّبا عن المرض العارض المزمن الذي هو الكذب والخديعة والحسد والنفاق والجهل المشفوع بالإصرار واللداد وغيرها ، وإذا نهوا عن الفساد في الجهة السفلية أنكروا وبالغوا في إثبات الصلاح والإصلاح لأنفسهم ، كما حكى اللّه عنهم فيما بعد إذ يرون الصلاح في تنظيم أسباب المعيشة وتيسير أمور الدنيا لأنفسهم خاصّة ، وإن كان مؤدّيا إلى خسران العاقبة لتوغّلهم في محبّة الدنيا وميل الجاه والثروة وانهماكهم في اللذات والراحات البدنيّة واحتجابهم بالمنافع الجزئيّة والملاذّ الحسيّة عن المصالح العامّة واللذّات العقليّة وهم لا يشعرون بذلك ، وإن كان معلوما بالمشاهدة الحسيّة لأنّ محبّة الدنيا سلب عقولهم وأعمى قلوبهم وأصمّ نفوسهم ، ولذا قيل : « حبّك للشيء يعمى ويصم » .
فصل [ المنافق والكافر أيهما أسوء حالا ]
قد علمت تحقيق الفرق بين المنافق والكافر الأصلي تصريحا وتلميحا في مواضع متعدّدة ، لكن القوم اختلفوا في أنّ أيّهما أسوء فعلا وأقبح حالا .