العقلي ، فإنّ بتقدير وجوده لا يمكن القول بصدقهما ولا بكذبهما معا ولا يمكن ترجيح النقل على العقل لأنّ العقل أصل النقل فالطعن في العقل يوجب الطعن في النقل والعقل معا ، لكن عدم المعارض العقليّ مظنون . هذا إذا لم يوجد فكيف [ وقد ] وجدنا هاهنا دلائل عقليّة على خلاف هذه الظواهر .
فثبت أنّ دلالة هذه الدلائل النقليّة ظنية وأما انّ الظنيّ لا يعارض فلا شك فيه .
الثاني هو إنّ التجاوز عن الوعيد مستحسن فيما بين الناس كما مرّ في كلام صاحب الفصوص قال الشاعر :
فإنّي إذا أوعدته أو وعدته * لمخلف ميعادي ومنجز موعدي
بل الإصرار على تحقيق الوعيد كأنه يعدّ لوما ، وإذا كان كذلك وجب أن لا يقبح من اللّه تعالى . وهذا بناء على حرف وهو إنّ كثيرا من أهل الإسلام جوّزوا نسخ الفعل قبل مضيّ مدّة الامتثال . وحاصل حرفهم فيه إنّ الأمر يحسن تارة لحكمة تنشأ من نفس المأمور به وتارة لحكمة تنشأ من نفس الأمر فإنّ السيد قد يقول لعبده : افعل الفعل الفلاني غدا وإن كان يعلم في الحال انّه سينهاه غدا ويكون مقصوده من ذلك الأمر أن يظهر العبد الانقياد لسيّده ويوطّن نفسه على طاعته ، وكذلك إذا علم اللّه من العبد إنّه سيموت غدا فإنّه يحسن عند هؤلاء القوم أن يقول : صلّ غدا إن عشت ، ولا يكون المقصود من هذا الأمر تحصيل المأمور به لأنه هاهنا محال بل المقصود حكمة تنشأ من نفس الأمر فقط . وهو حصول الانقياد والطاعة وترك التمرّد .
وإذا ثبت هذا فنقول لم لا يجوز أن يقال : الخبر أيضا كذلك . فتارة يكون منشأ الحكمة من الإخبار هو الشيء المخبر وذلك في الوعد وتارة يكون منشأ الحكمة هو نفس الخبر لا المخبر عنه ، كما في الوعيد . فإن الإخبار على سبيل الوعيد مما يفيد الزجر عن المعاصي والإقدام على الطاعات فإذا حسن هذا المقصود جاز أن لا يوجد المخبر وعند هذا قالوا : إن وعد اللّه الثواب حقّ لازم ، أما توعيده بالعقاب فغير لازم ، وإنما قصد به