فعمّرت الداران وسبقت الرحمة الغضب ووسعت كل شيء - جهنم ومن فيها - واللّه أرحم الراحمين كما قال عن نفسه .
وقد وجدنا في نفوسنا ممّن جبّلهم اللّه على الرحمة أنّهم يرحمون جميع عباد اللّه ، حتّى لو حكّمهم اللّه في خلقه لأزالوا صفة العذاب من العالم ، ممّا تمكّن حكم الرحمة من قلوبهم وصاحب هذه الصفة أنا وأمثالي - ونحن مخلوقون أصحاب أهواء وأغراض - وقد قال عن نفسه جلّ علاؤه : انّه ارحم الرّاحمين ، فلا يشك إنّه أرحم منّا بخلقه ، ونحن عرفنا من نفوسنا هذه المبالغة في الرحمة فكيف يتسرمد العذاب عليهم وهو بهذه الصفة العامة ؟ إنّ اللّه أكرم من ذلك ولا سيّما وقد قام الدليل العقليّ على أنّ الباري لا ينفعه الطاعات ولا يضرّه المخالفات ، وأنّ كلّ شيء جار بقضائه وقدره وحكمه وأنّ الخلق مجبورون في اختيارهم .
وقد قام الدليل السمعي أنّ اللّه يقول في الصحيح : « يا عبادي » فأضافهم إلى نفسه وما أضاف قطّ العباد إلى نفسه إلّا من سبقت له الرحمة وأن لا يؤبد عليهم الشقاء
فقال : « يا عبادي لو إنّ أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم اجتمعوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا ، يا عبادي لو إنّ أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم اجتمعوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص من ملكي شيئا » .
فقد أخبر بما دلّ عليه العقل أنّ الطاعات والمعاصي ملكه وأنّه على ما هو عليه لا يتغيّر ولا يزيد ولا ينقص ملكه مما طرأ عليه وفيه ، فإنّ الكلّ ملكه وملكه .
ثم قال من تمام هذا الخبر الصحيح : يا عبادي لو إنّ أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كلّ واحد منكم مسألته ، ما نقص ذلك من ملكي شيئا . الحديث .
وما نشكّ انّه ما من أحد إلّا وهو يكره ما يولمه طبعا فما من أحد إلّا وقد سأله أن لا يولمه وأن يعطيه اللذّة في الأشياء ولا يقدح ما أومأنا إليه في الحديث إذا تعلّق به المنازع
تفسير القرآن الكريم — صفحة 371
مساهمون: محمد خواجوى
ص٣٧١