الحياة البدنيّة بالرزق .
ولما تقرّر إنّه تعالى يعقل وجود الكلّ من ذاته وينال أسبابها وعللها من ذاته ووجود ما يعقله من ذاته واجب ويعقل بقاء النوع الإنساني ببقاء الأشخاص وتناسلهم ، ويعقل تناسلهم ببقاء كلّ شخص مدّة ويعقل بقاء كلّ شخص مدّة بما به قوام حيوية وهو الرزق والرزق إنّما يكون من النبات والحيوان كالخبز واللحم والفواكه والحلاوي ، فوجب أن يكون الرزق مضمونا بتقدير الرؤوف الرحيم ، ولذلك قال :
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ
[ 51 / 23 ] .
فقد علم إنّ الرزق سواء كان حلالا بحسب الشرع أو حراما أو غيرهما كرزق سائر الدوابّ واجب عن قبل اللّه وجوبا عقليّا كما قال
ما مِنْ دَابَّةٍ [ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها
[ 11 / 6 ] .
حكاية في هذا الباب
ذكر في كتاب إخوان الصفا إنّ بعض الخلفاء العباسيّة رأى شيخا سقّاء في داره فقال له : كم تعدّ من الخلفاء ؟ قال : كثير . فقال له شبه المتعجّب : ما بالكم طوال الأعمار ونحن قصارها ؟ قال له السقّاء : لأنّ أرزاقكم يجيء مثل أفواه القرب وأرزاقنا يجيء مثل قطر الأجفان . فاستحسن الخليفة وأمر له بجائزة أغناه بها عن صنعه .
ثمّ سئل عنه بعد حين فقيل : مات فقال : صدق لمّا جاءه الرزق مثل أفواه القرب قصر عمره . وهكذا الحكم والقياس قد جعل اللّه لكلّ إنسان نصيبا من السعادة وقسطا من النعيم وجعل له قسطا في الدنيا وقسطا في الآخرة كما قال تعالى :
وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ
[ 13 / 8 ] وقال :
وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
[ 15 / 21 ] .
فمقدار ما يأخذ الإنسان نصيبا وحظّا من النعيم والتلذّذ في الدنيا ، فبذلك المقدار ينقص حظّه ونصيبه من نعيم الآخرة .