ليس في كونه بالغا من الجزالة وحسن النظم المبالغ التي بذّت بلاغة كل ناطق وشقّت غبار كلّ سابق ، مجال للشبهة ولا مدخل للريبة .
ليعلموا إنّه لم يتجاوز الحدّ الخارج من قرى الفصحاء ، ولم يقع وراء مطامح عيون البصراء إلّا لأنّه ليس بكلام البشر وإنّه كلام خالق القوى والقدر .
وقيل : معناه لا ريب فيه للمتقين ، و « هدى » حال من الضمير المجرور ، والعامل فيه الظرف الواقع صفة للمنفي .
أقول : وهذا كقولك لمن يباحثك في مقدّمة علميّة : ما قلته لك أمر بديهي عند من يهتدى به من العقول الصحيحة والقلوب السليمة .
وأما النكتة 252 في تقديم « الريب » هاهنا على الظرف وتأخير « الغول » عنه في قوله :
لا فيها غول ، فهي إنّ الأهمّ هاهنا نفي الريب بالكلية عن الكتاب ، ولو قلت : لا فيه ريب ، لأوهم إنّ هناك كتابا آخر حصل فيه الريب ، كما قصد في قوله لا فيها غول ، تفضيل خمر الجنّة على خمور الدنيا بأنّها لا تغتال العقول كما يغتال خمر الدنيا .
تنبيه
الوقف على « فيه » هو المشهور وعن نافع وعاصم انّهما وقفا على « ريب » ولا بدّ لهما أن ينويا خبرا ، ونظيره قولك : لا ضير ولا باس . فالتقدير : لا ريب فيه ، فيه هدى .
قيل إنّ القراءة المشهورة أولى ، لأنّ كون الكتاب نفسه هدى أولى من أن يكون فيه هدى وأوفق لما تكرّر في تسمية القرآن من أنّه نور وهدى .