الناس ، لا تضرّنا ونحن نقول به .
ومنها : إن الأفعال التي كلفنا به قسمان ، منها ما يعرف وجه الحكمة فيها كالصلاة والصيام والزكاة .
ومنها ما لا يعرف وجه الحكمة فيها كأفعال الحجّ ، فكما يحسن من اللّه الأمر بالنوع الأول ، فكذا يحسن منه الأمر بالنوع الثاني ، لأن الطاعة فيه تدلّ على كمال الانقياد ونهاية التسليم ، لأنه لما لم يعرف فيه وجه مصلحة لم يكن إتيانه إلّا لمحض الانقياد والتسليم ، وإذا كان الأمر كذلك في الأفعال فلم لا يجوز أيضا أن يكون الأمر كذلك في الأقوال ، وهو إنّ اللّه يأمرنا تارة بأن نتكلّم بما نقف على معناه ، وتارة بما لا نقف على معناه ، ويكون المقصود من ذلك ظهور الانقياد والتسليم من المأمور للأمر .
أقول : وهذا أيضا ساقط ، لأن كون الغاية في التكليف بالأعمال ، التسليم والانقياد وإن كان مسلّما ، لكن كون الغاية في العلوم كذلك ، غير مسلّم كما حقّق في مقامه .
وبالجملة المقصود من العلوم والمعارف تنوير القلب بأنوار الحقائق الإلهيّة ، ومن الأعمال والأفعال تطويع النفس الأمّارة للنفس المطمئنّة لئلا يزاحمها القوى الشهويّة والغضبيّة وغيرها في السلوك إلى اللّه .
وأعجب من ذلك قولهم : بل فيه فائدة أخرى ، وهو إنّ الإنسان إذا وقف على المعنى وأحاط به ، سقط وقعه عن القلب وإذا لم يقف على المقصود مع القطع بأنّ المتكلم بذلك أحكم الحاكمين ، فإنّه يبقى ملتفتا إليه أبدا ومتفكّرا فيه دائما ، ولباب التكليف اشتغال السرّ بذكر اللّه والتفكّر في كلامه .
أقول ما أشبه هذا بكلام العوام والجهّال ، فإنّ نفس التفكّر ليس من الغايات المتأصّلة ليكون بقاء الإنسان في التردّد الفكريّ أبدا سرمدا سعادة ، على أن فيه تعبا ومشقّة في الحال وإنّما الفائدة فيه انتقال الذهن إلى ما هو المطلوب الأصلي وهو الابتهاج بإدراك الحضرة الإلهية والاستسعاد بالأنوار الملكوتية .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 209
مساهمون: محمد خواجوى
ص٢٠٩