للمطرودين عن باب الرحمة الإلهيّة ، المحترقين بنيران الجهالات المتراكمة ، المتألّمين بآلام الاعتقادات الرديّة الفاسدة فلا بدّ أن يوجد في عباد اللّه من كان عنده علم الكتاب وإلّا لكان إنزاله عبثا .
نعم درجات الناس بحسب العقول متفاوتة كما مرّ فيما ذكر من الخبر . فلا جرم حظوظهم من آيات كتاب اللّه مختلفة كتفاوت أغذية الناس والأنعام ممّا تنبت في الأرض من سائر الطعام .
فلطائفة منها القشور ، كالتبن والنخالة ، ولطائفة اللبوب والأدهان كالحبّ من الحنطة والدهن من الزيتون
مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ
[ 79 / 33 ] .
والحجّة لنا في هذا المقصد من الآيات والأخبار كثيرة : أما الآيات :
فمنها قوله :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها
[ 47 / 24 ] أمرهم بالتدبّر في معاني القرآن ، ولو كانت غير مفهوم لما أمرهم بالتدبّر فيه .
ومنها قوله
وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ
[ 26 / 192 - 195 ] فلو لم يكن مفهوما بطل كونه صلى اللّه عليه وآله منذرا به .
وأيضا فقوله بلسان عربيّ مبين . يدلّ على أنه نازل بلغة العرب ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون مفهوما .
ومنها قوله
لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ
[ 4 / 83 ] والاستنباط منه لا يمكن إلّا مع الإحاطة بمعناه .
ومنها قوله :
تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ
[ 16 / 89 ] وقوله :
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ
[ 6 / 38 ] وقوله :
هُدىً لِلنَّاسِ
[ 2 / 185 ]
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
[ 2 / 2 ] وغير المعلوم لا يكون هدى .