الشعبي لا يزيد دلالته على أن هذه الحروف من أسرار اللّه الخفيّة التي لا يعلمها كلّ أحد ، ولا يدلّ على أن الراسخين في العلم لا سبيل لهم إلى إدراكها .
وكذا ما ذكره بعض العارفين ليس فيه دلالة على عدم اطّلاع الناس على سرّ هذه الحروف ، بل فيه ما يدل على ضد ذلك كما لا يخفى .
واحتجّ المخالفون بوجوه من العقل والنقل كلّها ضعيفة مدخوله :
منها انّه من المتشابه من القرآن وانّه غير معلوم لقوله تعالى :
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ
والوقف هاهنا لازم ، إذ لو عطف عليه قوله :
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
لبقي قوله
يَقُولُونَ آمَنَّا
منقطعا عنه وهو غير جائز .
وهو مجاب - لا بأنّ « يقولون » حال . وإلّا لكان حالا للمعطوف عليه كما للمعطوف فيلزم أن يكون اللّه قائلا :
يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا
وهو كفر - بل بأنّه خبر مبتدإ محذوف بقرينة سابقة .
ومنها :
إنّه روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله انّه قال « 1 » : إنّ من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلّا العلماء باللّه فإذا نطقوا به أنكره أهل العزة باللّه
ودلالة هذا الخبر على ثبوت هذا الجانب أكثر من دلالته على ثبوت طرف المخالف .
ومنها : إنّ القول بأن هذه الفواتح غير معلومة ، مروي من أكابر الصحابة فوجب أن يكون حقّا .
والجواب - بعد التسليم - إنّ دلالة ما روي عنهم على كونها غير معلومة لأحد من الناس مطلقا وإن كان من الراسخين ، غير مسلّم وعلى كونها غير معلومة لجمهور
هامش
( 1 )
رواه الغزالي في الأحياء ( 1 / 20 ) واللفظ : « . . . فإذا نطقوا لم ينكره الا أهل الاغترار باللّه »
وقال العراقي في تخريجه : رواه أبو عبد الرحمن السلمى في الأربعين له في التصوف من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف .