تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤

منهج أخرى في نظم فاتحة الكتاب

وهو إن للإنسان أيّاما ثلاثة : الأمس والبحث عنه يسمّى بمعرفة المبدإ واليوم الحاضر والبحث عنه يسمى بالوسيط والغد والبحث عنه يسمى بعلم المعاد . والقرآن مشتمل على رعاية هذه المراتب وتعليم هذه المعارف الثلاثة التي كمال النفس الإنسانية منوط بمعرفتها ، ونفس الأعمال البدنيّة إنّما يراد لأجلها لأنّ غايتها تصفية مرآة القلب عن الغواشي البدنيّة والظلمات الدنيويّة لأن يستعدّ لحصول هذه الأنوار العقليّة ، وإلّا فنفس هذه الأعمال الحسنة ليس إلا من باب الحركات والمتاعب ونفس التصفية المترتبة عليها ليس إلا أمرا عدميّا لو لم يكن معها استنارة صفحة القلب بأنوار الهداية وتصوّرها بصور المطالب الحقّة الإلهيّة والقرآن متضمّن لها وهي العمدة الوثقى فيه لما ذكرنا . ولمّا كانت هذه السورة مع وجازتها متضمّنا لمعظم ما في الكتب الإلهيّة من المسائل الحقّة والمقاصد اليقينيّة المتعلّقة بتكميل الإنسان وسياقته إلى جوار الرحمن ، فلا بد أن يتحقّق فيها جميع ما يحتاج إليه الإنسان منها ، فنقول هي هكذا . أمّا اشتمالها على علم المبدإ ، فقوله تعالى : الحمد للّه ربّ العالمين إشارة إلى العلم بوجود الحقّ الأول وأنّه مبدأ سلسلة الموجودات وموجد كلّ العوالم والمخلوقات . وقوله : الرّحمن الرّحيم إشارة إلى العلم بصفاته الجلاليّة وأسمائه الحسنى . وقوله : مالك يوم الدّين هو إثبات كونه سببا غائيّا للمخلوقات كلّها كما انّه سبب فاعلي لها جميعا ليدلّ على أنّ فاعليّته على غاية الحكمة والتمام ورعاية المصلحة للأنام .