فصل في نظم هذه السورة وترتيبها
إنّ العاقل الفهم المميّز لما نظر في وجودات هذا العالم وعلم بالمشاهدة والقياس افتقار بعضها إلى بعض ، تحقّق وتيقّن إنّها في سلسلة الحاجة منتهية إلى موجود قديم قادر يفعل الخيرات كلّها ويرحم على خلقه في الآخرة والأولى فابتدأ بآية التسمية تبرّكا واستفتاحا باسمه واعترافا بإلهيّته واسترواحا إلى ذكر فضله ورحمته وكرمه ورأفته .
ولمّا كان الاعتراف بالحقّ والعلم باللّه الفرد الأحد الذي هو مبدأ الخيرات كلّها وفاتح المهمات جلّها نعمة جليلة ، اشتغل بالشكر له والحمد فقال : الحمد للّه ولما رأى سراية نور التوحيد ونفوذ رحمة الوجود على غيره واضحة بنور الحجّة والبرهان كما شاهد آثارها على نفسه لائحة بقوّة الكشف والعيان ، عرف انّه ربّ الخلائق أجمعين فقال : ربّ العالمين .
ثمّ لما رأى شمول فضله للمربوبين ثابتا بعد إفاضة أصل الوجود عليهم ، وعموم رزقه للمرزوقين حاصلا بعد إكمال الصورة في أطوار الخلقة لهم قال : الرحمن .
فلما رأى تفريطهم في حقّه وواجب شكره ، وتقصيرهم في عبادته والانزجار عند زجره واجتناب نهيه وامتثال أمره وإنّه تعالى يتجاوز بالغفران ، ولا يؤاخذهم عاجلا بالعصيان ولا يسلبهم نعمه بالكفران ، قال : الرحيم .
ولما رأى ما بين العباد من التباغي والتظالم والتكالم والتلاكم وأن ليس بعضهم من شرّ بعضهم بسالم علم إنّ وراءهم يوما ينتصف فيه للمظلوم من الظالم فقال : مالك يوم الدّين .
وإذا عرف هذه الجملة فقد علم إنّ له خالقا رازقا رحيما يحيي ويميت ويبدئ