وفيه موضع تأمّل كما لا يخفى على من عرف العرف .
ويتّجه لأحد أن يقول : إنّ المغضوب عليهم هم العصاة والفسقة . والضّالّين هم الجهّال والكفرة لأنّ المهتدى بنور الحقّ إلى الصراط المستقيم والفائز بكرامة الوصول إلى النعيم ، من جمع اللّه له بين تكميل عقله النظري بنور الايمان وتكميل عقله العملي بتوفيق العمل بالأركان فكان المقابل له في الجملة من اختلّ إحدى كريمتيه وقوّتيه العاقلة والعاملة فالمخلّ بالعمل فاسق مغضوب عليه لقوله تعالى في القاتل عمدا :
وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ
[ 4 / 93 ] ، والمخلّ بالعلم والإدراك للحقّ جاهل كافر لقوله تعالى
فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ
[ 10 / 32 ] .
وإنما لم يقل : غير الذين غضبت عليهم ، على وفاق : الذين أنعمت عليهم ، ترجيحا لجانب النعمة على جانب النقمة بنسبة الفعل إليه تعالى في الأولى صريحا وفي الثانية بخلاف ذلك كما هو دأب كرمه وجري عادته في سوق كلامه المجيد مثل قوله تعالى :
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ
[ 14 / 7 ] حيث لم يقل :
لاعذبنّكم في مقابلة « لأزيدنّكم » ومراعاة للأدب في الخطاب واختيارا لحسن اللفظ المستطاب .
مكاشفة [ استعارة الألفاظ للايصال إلى المعاني العرفانية ]
اعلم إنّ تمام التحقيق في هذه الآية يحتاج إلى الاستمداد من بحر عظيم من بحار علوم المكاشفة ، فنقول على طبق ما حقّقه صاحب البصيرة المكحّلة بنور الهداية « 1 » : إنّ للّه في جلاله وكبريائه صفة بها يفيض على الخلق نور حكمته وجوده تكوينا واختراعا
هامش
( 1 ) يشير المصنف إلى الشيخ ابن العربي وما يورده ملتقطات من بعض أبواب الفتوحات منها باب 371 و 372 .