والمهيّات التي نالتها كلها الرحمة الوجودية هو عين الغضب والانتقام . فبالرحمة 39 أو جد اللّه 40 عين الغضب فيكون أصله خيرا وكذا ما يترتّب عليه من الآلام والأسقام والبلايا والمحن وأمثالها مما لا يلائم بعض الطبائع ، وإليه
أشار عليه وآله السلام بقوله : « 1 » إنّ الخير كلّه بيديك والشرّ ليس إليك .
ومن أمعن النظر في لوازم الغضب من الأمراض والآلام والفقر والجهل والموت وغير ذلك ، يجدها كلّها بما هي أعداما أو أمورا عدميّة معدودة من الشرور وأما بما هي موجودات فهي كلّها خيرات فائضة من منبع الرحمة الواسعة والوجود الشامل لكل شيء فعلى هذا يجزم العقل بأنّ صفة الرحمة ذاتيّة للّه تعالى وصفة الغضب عارضيّة ناشية من أسباب عدميّة إمّا لقصور الوجودات الإمكانية عن الكمال بحسب درجات بعدها عن الحقّ القيّوم أو لعجز المادّة عن قبول الوجود على الوجه الأتم فينكشف عند ذلك انّ مآل الكلّ إلى الرحمة 41 كما ورد في الحديث فيقول اللّه : شفعت الملائكة وشفع النبيّون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين « 2 » .
قال الشيخ العربي في الفتوحات المكية : واعلم إنّ اللّه يشفع من حيث أسماؤه فيشفع اسمه أرحم الراحمين عند اسمه القهّار وشديد العقاب ليرفع عقوبته عن هؤلاء الطوائف . فيخرج من النار من لم يعمل خيرا قط ، وقد نبّه اللّه تعالى على هذا المقام فقال
يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً
فالمتّقى إنّما هو جليس الاسم الإلهي الذي يقع منه الخوف في قلوب العباد . فسمّى جليسه متّقيا منه فيحشره اللّه من هذا الاسم إلى الاسم الذي يعطيه الأمان ممّا كان خائفا منه ، ولهذا يقول صلّى اللّه عليه وآله
هامش
( 1 )
في جامع الأصول : كتاب الدعاء ( 5 / 40 ) : الخير كله في يديك . . .
( 2 ) المسند : 3 / 94 .