أما أهل العبارة والكتابة فقد صرفوا أعمارهم في تحصيل الألفاظ والمباني وغرقت عقولهم في إدراك البيان والمعاني . وأما أهل القرآن والكلام - وهم أهل اللّه خاصّة بالمحبة الإلهية والجذبة الربانية والقرابة النبوية - فقد يسّر اللّه لهم السبيل وقبل منهم قليل العمل للرحيل وذلك لخلوص نيّتهم وصفاء سريرتهم فهم لا يحتاجون في فهم حقائق القرآن وغرائب معانيه إلى أن يخوضوا في البحث عن ظواهر ألفاظ الكلام وغرائب القرآن وضبط هيئاته ومبانيه وبصرف العمر في معرفة الاشتقاق والإعراب ليصيروا فرسانا في علم الإعراب مقدمين في جملة الكتاب ويفرغوا غاية جهدهم في الأوقات والأزمان في تحصيل ما يسمّونه علم المعاني والبيان وما يجرى هذا المجرى في الرتبة والشأن بل كفاهم طرف يسير من كل فنّ منها وجرعة قليلة من كل دنّ من دنّها أخذا للزاد وتعجيلا لسفر المعاد .
فمن أراد أن يقف على أنه لم طوّلت الباء في « بسم اللّه » ومدّت السين ؟ أو لم حذفت الألف في الخطّ هاهنا وأثبتت في قوله « باسم ربّك » أو لم أسقطت الألف بعد اللام في اللّه أو هل تفخم لام الجلالة أم لا فليرجع إلى أهل الخط والقراءة .
ومن أراد أن يقف على أن البسملة ما شانها في أوائل السور الكريمة هل هي هناك جزء من كلّ واحدة أو إنّها جزء من الفاتحة وحدها لا غير أو إنّها ليست جزء من شيء منها ، بل هي آية فذّة من القرآن أو أنزلت للفصل بها بين السور أو إنّها لم ينزل إلا بعض آية في سورة النمل وليست جزء من غيرها وإنما يأتي بها التالي والكاتب في أوائلهن تبرّكا باسمه تعالى . أو إنها آيات من القرآن أنزلت بعدد السور المصدّرة بها من دون الجزئية لهن فليرجع إلى أصحاب النقل وأهل الرواية .
ومن أراد أن يعرف بم تعلّقت الباء وبأي محذوف ارتبطت ولم قدّر المحذوف متأخّرا من قال إن المرادبسم اللّه أقرأ أو أتلو وقد قدّمه تعالى في قوله اقرأ باسم ربّك . وما معنى تعلق اسم اللّه بالقراءة . أو كيف يقدر كذلك والقائل هو اللّه أو كيف بنيت الباء على الكسرة - ومن حقّ حروف المعاني التي جاءت على حرف واحد أن تبنى على الفتحة
تفسير القرآن الكريم — صفحة 29
مساهمون: محمد خواجوى
ص٢٩