تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 18

مساهمون:

ص١٨
الفانية المشوبة بالكدورات الممزوجة بالآفات فالاستعاذة باللّه ممّا يضرّ في الآخرة ويضادّ للسعادة الآجلة يجب أن يكون أشدّ من الاستعاذة به ممّا يضرّ في الدنيا ويضادّ للسعادة العاجلة على النسبة التي بين خيرات النشأتين وشرورها . ثمّ إن أعظم تلك الأمور تأثيرا في الإضرار بجوهر النفس الإنسانية بحسب النشأة الأخروية هي الأشياء الداخلة في إهابها ، الجارية مجرى الدم في عروقها وهي القوى الحيوانية المدركة والمحركة المشار إليهما في قوله : بخيلك ورجلك . لأن جميعها إن لم يرتض بالرياضات الدينية ولم يتأدّب بالآداب العقلية كانت من أعداء اللّه وأولياء الطاغوت وجنود الشيطان ، لأنّها واقعة في عالم البعد ومهوى الشياطين ، وهي مفطورة مطبوعة على أفعال وأعمال مهوية مبعّدة للإنسان عن دار الكرامة ومحل القرب من الله ومنبع الخير والنور فلا جرم تجيب دعوة الشيطان الذي هو رئيس الظلمة وولي أهل الظلمات فيجب على كلّ أحد أن يستعيذ أشدّ الاستعاذة من شرور هذه الأمور الداخلة في هيكل الإنسان وهي التي يكون آلة له ومعينة إيّاه في سفره إلى الحقّ من وجه . ووبالا عليه من وجه فمن وجه كلها له ومن وجه كلها عليه . وكذلك حكم الشيطان ولأجل ان مبدأ شريّة هذه القوى النفسانية والحيوانية وأصلها هو الشيطان وهي من توابعه وجنوده عند تعصّيها عن طاعة العقل المنوّر بنور الشرع فيكون شريرة مثله وأنزل منه فوقع الاستعاذة تارة منه كما في قوله : أعوذ باللّه من الشيطان الرّجيم وتارة من هذه القوى كما في قوله :
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ
- إلى قوله -
وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ
ويقرب من هذا قوله تعالى
قُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ
[ 23 / 97 - 98 ]