تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معترك الاقران في اعجاز القرآن — صفحة 606

مساهمون:

ص٦٠٦
ولا يقال في الإيتاء : أتاني فأتيت ؛ وإنما يقال آتاني فأخذت . والفعل الذي له مطاوع أضعف في إثبات مفعوله من الذي لا مطاوع له ، لأنك تقول : قطعته فانقطع ، فيدلّ على أنّ فعل الفاعل كان موقوفا على قبول في المحل ، لولاه ما ثبت المفعول . ولهذا يصح قطعته فما انقطع . ولا يصح فيما لا مطاوع له ذلك ؛ فلا يجوز ضربته فانضرب ، أو فما انضرب ، ولا قتلته فانقتل ولا فما انقتل ؛ لأن هذه أفعال إذا صدرت من الفاعل ثبت لها المفعول في المحل ، والفاعل مستقلّ بالأفعال التي لا مطاوع لها ، فالإيتاء أقوى من الإعطاء . قال : وقد تفكرت في مواضع من القرآن فوجدت ذلك مراعى ؛ قال تعالى :
«
« 1 »
تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ »
؛ لأن الملك شئ عظيم لا يعطاه إلا من له قوة ، وكذا قوله :
«
« 2 »
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ »
.
«
« 3 »
آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي »
؛ لعظم القرآن وشأنه : وقال :
«
« 4 »
إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ »
؛ لأنه مورود في الموقف مرتحل عنه قريبا إلى منازل العزّ في الجنة ، فعبّر فيه بالإعطاء ؛ لأنه يترك عن قرب ، وينتقل إلى ما هو أعظم منه . وكذا ،
«
« 5 »
يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى »
، لما فيه من تكرر الإعطاء والزيادة إلى أن يرضى كلّ الرضا ، وهو مفسر أيضا بالشفاعة ، وهي نظير الكوثر في الانتقال بعد قضاء الحاجة منه . وكذا
« أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ »
« 6 » ، لتكرّر حدوث ذلك باعتبار الموجودات ، حتى يعطوا الجزية ، لأنها موقوفة على قبول منّا ، وإنما يعطونها عن كره .
هامش
( 1 ) آل عمران : 76 ( 2 ) البقرة : 269 ( 3 ) الحجر : 87 ( 4 ) الكوثر : 1 ( 5 ) الضحى : 5 ( 6 ) طه : 5