فإن قلت : الوصف الأخصّ هو القرآن ، والذّكر وصف أعم ، فلم عبّروا بالأعمّ دون الأخص ؟
والجواب أنه في التعبير بالأخص تنبيه وتذكير بالمعجزات التي ورد بها القرآن ، وهم مقصدهم تعمية ذلك وإخفاؤه . وانظر إلى المثل السائر : ذكّرتنى الطعن وكنت ناسيا .
فإن قلت : هل أرادوا اتّصافه بالجنون ، لما جاء به من الوحي إلى الذين يسترقون السمع ؟
فالجواب أنهم أرادوا أن به جنونا [ 252 ب ] يصحبونه بدليل قوله تعالى « 1 » :
« أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ »
.
( قَوْمٌ مَسْحُورُونَ )
« 2 » : هذا الإضراب « 3 » منهم إضراب انتقال ، لأنهم أضربوا عن مفهوم قولهم « 2 » :
« سُكِّرَتْ أَبْصارُنا »
؛ لأن مفهومه أنّ باقي جسدهم لم يسكر . وما زال صحيحا ؛ فأضربوا عن هذا المفهوم ؛ وقالوا : بل جميع ذواتنا مسحورة ، ولو كان إضراب إبطال للزم عليه أن تكون أبصارهم غير مسحورة ، وليس ذلك مرادهم ؛ وقوله :
« إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا »
ظاهره كالمناقض لقوله :
« بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ »
.
فإن قلت : ما أفاد قولهم
« قَوْمٌ »
، ولو قالوا : بل نحن مسحورون لاستقلّ الكلام .
فالجواب أنه أفاد الإخبار بكمال عبادتهم ، وأنهم جماعة كثيرون ، وتعدّد الأشخاص مظنّة التفطن والفهم ، ومع هذا فكلّهم يتعامون وتعمّهم الضلالة ولا يهتدون إلى الإيمان به بوجه .
هامش
( 1 ) المؤمنون : 70
( 2 ) الحجر : 15
( 3 ) الآية : بل نحن مسحورون . فالإضراب بيل .