فإن قيل : ما وجه ارتباط هذا مع ما قبله ؟
والجواب : لما عدّد عليه النعم تسلية له وتأنيسا قوى رجاءه بالنصر ؛ كأنه يقول له : إن الذي أنعم عليك بهذه النعم سينصرك ويظهرك ويبدّل لك هذا العسر يسرا قريبا ، ولذلك كرّر :
«
« 1 »
إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً »
مبالغة ، قال صلى اللّه عليه وسلم : " لن يغلب عسر يسرين " . وقد روى ذلك عمر ، وابن مسعود ، وتأويله أن العسر المذكور في هذه السورة واحد ، لأن الألف واللام للعهد ، كقولك : جاءني رجل فأكرمت الرجل . واليسر اثنان لتنكيره . وقيل : إن اليسر الأول في الدنيا والثاني في الآخرة ؛ وقد أكثر الناس في هذه الآية وألفوا فيها تواليف منها كتاب « الفرج بعد الشدة » ، وجنة الرضا ، وغيرهما مما يطول ذكر شئ منها .
وبالجملة فمن تذكّر سبق نعمته عليه ، وكثرة نعمه إليه ، وعظيم ثوابه ، وصدق وعده ، وسعة رحمته وسبقها غضبه - آثر له قوة رجائه فيه ، وهان عليه ما يلقاه في ضيقه ؛ قال تعالى في بعض كتبه : يا مطرود ، لا تبرح ، ويا مردود لا تأيس « 2 » ، ويا مهجور لا تقلق ؛ قد فتحنا لك الباب وجعلناك من الأحباب ، وهبك أنى طردتك عن بابى ، وألزمتك حجابى فإلى باب من تلتجئ ، وعلى أي جهة تقف ، فكن معي كالصبي مع أمّه ، كلما زجرته رجع إليها ، وكلما طردته تمرّغ بين يديها ، فلا يزال معها حتى نقبله ، فأقبل قدم الإقدام لبابى ، واكشف رأس الاستغفار وناد بلسان الحقر « 3 » والاضطرار : ربّى مسني الضّر وأنت أرحم الراحمين - يقع لك جواب :
« فَكَشَفْنا
« 4 »
ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ »
.
هامش
( 1 ) الشرح : 6
( 2 ) لا تأيس : لا تيأس .
( 3 ) الفعل من باب ضرب .
( 4 ) الأنبياء : 84