مشغولا بتحقيق الحساب الذي علّمتنى ؛ فقلت له : وما هو ؟ قال « 1 » :
« فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ »
؛ ورئى بعض المشايخ وقد بلغ جدارا ، وكان في زمن الشتاء ، وهو يتصبّب عرقا فسئل عن ذلك ، فقال : أخذت من هذا الحائط قطعة طين غسل يده بها ضيف ، ولم أستحل من صاحبه حتى مات ، فأنا كلما مررت به لم أملك نفسي .
هذا حالهم ، فأنّى لنا اللحوق بهم ! ملأنا بطوننا من الحرام ، وتراكمت على قلوبنا سحائب الآثام ، وغلب علينا سكر المنام ، وادّعينا الدعاوى الباطلة والآمال الكاذبة .
فإن قلت : ما سرّ تقديم الخبر في هذه الآية على الشر ؟
والجواب لما كان المطلوب في العمل تقديم الخير على الشر جاء في اللفظ على الوجه المطلوب . وأيضا لما كان فاعل الخير مقدّما في الرتبة على فاعل الشرّ جاء العمل مرتّبا على ترتيب عامله .
( فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ )
« 2 » : هذا إقامة حجة عليهم ، واستدعاء لهم ، بملاطفة وتذكير بالنعم حيث كان الناس يتخطفون من حولهم ، وهم لا يصيبهم ما أصاب غيرهم ؛ من الأمن وإتيان الرزق إليهم ، لحرمة هذا البيت المعظم عند جميع بني آدم ، كأنه يقول [ 249 ا ] لهم : إن لم تعبدوه لما شرّفكم بالعقل ، وجعلكم محبوبين ، فاعبدوه لهذا البيت الذي شرّفكم به ، ودفع عنكم من قصد ضرّكم من جميع الأمم .
( فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ )
« 3 » : قد ذكرنا معنى التسبيح والاستغفار ، وأن هذه السورة إعلام من اللّه لرسوله بقرب أجله .
هامش
( 1 ) الزلزلة : 7
( 2 ) قريش : 3
( 3 ) النصر : 3